ديني

نبذه عن العباس بن عبد المطلب الجزء الخامس

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الخامس مع عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، العباس بن عبد المطلب رضى الله عنه، وقد توقفنا عند غزوة حنين وعندما نادى العباس رضى الله عنه، يا بني الحارث بن الخزرج، يا بني الحارث بن الخزرج فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا حين حمي الوطيس قال، ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، حصيات فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال “انهزموا ورب محمد” قال فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى قال فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلا وأمرهم مدبرا، وإنه كما كان حمزة بن عبد المطلب هو عمّ الرسول صلى الله عليه وسلم، وتربه، كذلك كان العباس رضي الله عنه، فلم يكن يفصل بينهما في سنوات العمر سوى سنتين أو ثلاث، وهى تزيد في عمر العباس عن عمر الرسول صلى الله عليه وسلم.

وهكذا كان النبى محمد صلى الله عليه وسلم، والعباس عمه، طفلين من سن واحدة، وشابين من جيل واحد، فلم تكن القرابة القريبة وحدها، آصرة ما بينهما من ود، بل كانت كذلك زمالة السن، وصداقة العمر، وكان هناك شيء آخر يضعه معايير النبي صلى الله عليه وسلم، في المكان الأول دوما، ذلك هو خلق العباس وسجاياه، فلقد كان العباس جوادا، مفرط الجود، حتى كأنه للمكارم عمّها أو خالها، وكان وصولا للرحم والأهل، لا يضن عليهما بجهد ولا بجاه، ولا بمال، وكان الى هذه وتلك، فطنا الى حد الدهاء، وبفطنته هذه التي تعززها مكانته الرفيعة في قريش، استطاع أن يدرأ عن النبي صلى الله عليه وسلم، حين يجهر بدعوته الكثير من الأذى والسوء، وكان حمزة بن عبد المطلب رضى الله عنه، من قبل كان يعالج بغي قريش، وصلف أبي جهل بسيفه الماحق، أما العباس رضى الله عنه فكان يعالجها بفطنة ودهاء وقد أدّي للاسلام من النفع مثلما أدّت السيوف المدافعة عن حقه وحماه.

وكان العباس رضى الله عنه، بفطنته وتجربته مع قريش كان يدرك أن الحرب لا محالة قادمة بين الاسلام والشرك، فقريش لن تتنازل عن دينها ومجدها وعنادها، وكذلك الاسلام ما دام حقا لن يتنازل للباطل عن حقوقه المشروعة، فهل الأنصار، أهل المدينة صامدون للحرب حين تقوم، ومن اجل هذا ألقى العباس السؤال ” صفوا لي الحرب، وكيف تقاتلون عدوّكم؟ وكان الأنصار الذين يصغون للعباس رجالا كالجبال، ولم يكد العباس يفرغ من حديثه، لا سيما ذلك السؤال المثير الحافز حتى شرع الأنصار يتكلمون، وبدأ عبد الله بن عمرو بن حرام مجيبا على السؤال ” نحن، والله، أهل الحرب، غذينا بها، وقد تدربنا عليها، وورثناها عن آبائنا كابرا فكابر، فنحن نرمي بالنبل حتى تفنى، ثم نطاعن بالرماح حتى تنكسر، ثم نمشي بالسيوف، فنضارب بها حتى يموت الأعجل منا أو من عدونا ” وأجاب العباس متهللا، أنتم أصحاب حرب اذن.

فهل فيكم دروع ” فقالوا نعم، لدينا دروع شاملة، ثم دار حديث رائع وعظيم بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الأنصار، وفي السنة الثامنة للهجرة، وبعد ان فتح الله مكة لرسوله صلى الله عليه وسلم ولدينه عز بعض القبائل السائدة في الجزيرة العربية أن يحقق الدين الجديد كل هذا النصر بهذه السرعة، فاجتمعت قبائل هوزان وثقيف ونصر وجشم وآخرون وققروا شنّ حرب حاسمة ضد الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين، وان كلمة قبائل لا ينبغي أن تخدعنا عن طبيعة تلك الحروب التي كان يخوضها الرسول صلى الله عليه وسلم، طوال حياته فنظن انها كانت مجرد مناوشات جبلية صغيرة، فليس هناك حروب أشد ضراوة من حروب تلك القبائل في معاقلها، وإن ادراك هذه الحقيقة لا يعطينا تقديرا سديدا للجهد الخارق الذي بذله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه فحسب، بل يعطينا تقديرا صحيحا وأمينا لقيمة النصر العظيم الذي أحرزه الاسلام والمؤمنون.

ورؤية واضحة لتوفيق الله الماثل في هذا النجاح وذلك الانتصار، وقد احتشدت تلك القبائل في صفوف لجبة من المقاتلين الأشدّاء، وخرج اليهم المسلمون في اثني عشر ألفا، من الذين فتحوا مكة بالأمس القريب، وشيعوا الشرك والأصنام الى هاويتها الأخيرة والسحيقة، وارتفعت راياتهم تملأ الأفق دون مشاغب عليها أو مزاحم لها، وكان هذا شيء يبعث الزهو، والمسلمون في آخر المطاف بشر، ومن ثم، فقد ضعفوا امام الزهو الذي ابتعثته كثرتهم ونظامهم، وانتصارهم بمكة، وقالوا ” لن نغلب اليوم عن قلة ” ولما كانت السماء تعدّهم لغاية أجلّ من الحرب وأسمى، فان ركونهم الى قوتهم العسكرية، وزهزهم بانتصارهم الحربي، عمل غير صالح ينبغي أن يبرؤا منه سريعا، ولو بصدمة شافية، وكانت الصدمة الشافية هى هزيمة كبرى مباغتة في أول القتال، حتى اذا ضرعوا الى الله، وبرؤا من حولهم الى حوله، ومن قوتهم الى قوته، انقلبت الهزيمة نصرا، ونزل القرآن الكريم يقول للمسلمين.

” ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم، فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين، ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا، وذلك جزاء الكافرين” وكان صوت العباس يومئذ وثباته من ألمع مظاهر السكينة والاستبسال، فبينما كان المسلمون مجتمعين في أحد أودية تهامة ينتظرون مجيء عدوّهم، وكان المشركون قد سبقوهم الى الوادي وكمنوا لهم في شعابه وأحنائه، شاحذين أسلحتهم، ممسكين زمام المبادرة بأيديهم، وعلى حين غفلة، انقضّوا على المسلمين في مفاجأة مذهلة، جعلتهم يهرعون بعيدا، لا يلوي أحد على أحد، ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدثه الهجوم المفاجئ الخاطف على المسلمين، فعلا صهوة بغلته البيضاء، وصاح ” الى أين أيها الناس؟
هلموا اليّ، أنا النبي لا كذب، انا ابن عبد المطلب ” ولم يكن حول النبي صلى الله عليه وسلم فى ذلك الوقت.

سوى أبي بكر، وعمر، وعلي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وولده الفضل بن العباس وجعفر بن الحارث وربيعة بن الحارث وأسامة بن زيد وأيمن بن عبيد، وقلة أخرى من الصحابة الكرام، وكان هناك سيدة أخذت مكانا عاليا بين الرجال والأبطال، فكانت تلك السيدة هي أم سليم بنت ملحان، وقد رأت ذهول المسلمين وارتباكهم، فركبت جمل زوجها أبي طلحة رضي الله عنهما، وهرولت بها نحو الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ولما تحرك جنينها في بطنها، وكانت حاملا، خلعت بردتها وشدّت بها على بطنها في حزام وثيق، ولما انتهت الى النبي صلى الله عليه وسلم، شاهرة خنجرا في يمينها ابتسم لها الرسول صلى الله عليه وسلم وقال ” أم سليم؟ ” قالت نعم بأبي أنت وأمي يا رسول الله، اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك، كما تقتل الذين يقاتلونك، فانهم لذلك أهل، وازدادت البسمة ألقا على وجه الرسول صلى الله عليه وسلم الواثق بوعد ربه وقال لها ” ان الله قد كفى وأحسن يا أم سليم “

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى