تقارير وتحقيقات

البيمارستان المنصوري أول مستشفى للصحة النفسية في العالم بالقاهرة

تقرير _ نهال يونس

سمى هذا البيمارستان أيضاً دار الشفاء أو بيمارستان قلاوون، ويقع في منطقة بين القصرين ، وكان قاعة للسيدة الشريفة ست الملك ابنة العزيز بالله نزار بن المعز لدين الله أبي تميم معد وأخت الحاكم بأمر الله منصور، ثم عرف بدار الأمير فخر الدين جهاركس بعد زوال الدولة الفاطمية وبدار موسك، ثم صارت للملك المفضل قطب الدين أحمد ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب. فاستقر بها هو وذريته فصار يقال لها الدار القطبية.

يعود تاريخ بناء البيمارستان إلى عام 675هـ/1276م. وكان سبب بنائه أن الملك المنصور لما توجه وهو أمير إلى غزاة الروم في أيام الظاهر بيبرس، أصابه بدمشق قولنج عظيم، فعالجه الأطباء بأدوية أخذت له من البيمارستان الكبير النوري، فتم علاجه ثم اراد ان يشاهد البيمارستان فأعجب به ونذر إن آتاه الله الملك أن يبني بيمارستان متكامل لعلاج جميع الامراض العضوية منها والنفسية .
فلما تولى السلطنة أخذ في عمل ذلك فوقع الاختيار على الدار القطبية، فندب الطواشي حسام الدين بلالاً المغيثي لشرائها فاستمر الأمر على ذلك حتى أنعمت مؤنسة خاتون ببيعها على أن تعوض عنها بدار، فعوضت قصر الزمرد برحبة باب العيد مع مبلغ من المال حمل إليها، ووقع البيع على هذا.

ثم ندب السلطان الأمير سنجر الشجاعي للعمارة فأخرج النساء من الدار القطبية، وجمع صنّاع مصر وتقدم إليهم بأن يعملوا بأجمعهم في الدار القطبية، ومنعهم أن يعملوا لأحد شغلاً وشدّد عليهم في ذلك، وكان مهاباً فلازموا العمل عنده ونقل من قلعة الروضة ما احتاج إليه من العمد الصوّان والعمد الرخام والقواعد والأعتاب والرخام البديع وغير ذلك. وصار يركب إليها كل يوم وينقل الأنقاض المذكورة على العجل إلى البيمارستان، ويعود إلى البيمارستان فيقف مع الصناع على الأساقيل حتى لا يتوانوا في عملهم وأوقف مماليكه بين القصرين، وكان إذا مر أحد ولو عظم ألزموه أن يرفع حجراً ويلقيه في موضع العمارة فينزل الجندي والرئيس عن فرسه حتى يفعل ذلك فترك أكثر الناس المرور هناك. وقد نقل من قلعة الروضة ما يحتاج إليه من العمد الصوان والعمد الرخام التي كانت قبل عمارة القلعة بالبرابي وغير ذلك.

ولقد تم الانتهاء من أمر العمارة في أسرع مدة وهي أحد عشر شهراً وأيام، وكان الشروع في بنائها بيمارستاناً في أول ربيع الآخر عام 683هـ/1284م. كما أتم معها المدرسة المنصورية والقبة، فكانتا ضمن مجموعته البيمارستان والمدرسة والقبة.

ولما تكامل البناء ركب السلطان إليه وشاهده وجلس بقاعة الدار ومعه الأمراء والقضاة والعلماء. وكان قد أبقى القاعة على حالها وهي ذات إيوانات أربعة بكل إيوان شاذروان، وبمكان قاعتها فسقية يصير إليها الماء من الشاذروان. وكان ذراع هذه الدار عشرة آلاف وستمائة ذراع.
وجعل السلطان لمن يخرج منه من المرضى عند برئه كسوة ومن مات جهزه، وكفن ودفن. ثم وقف عليها الملك المنصور من الأملاك بديار مصر القياس والرباع والحوانيت والحمامات والفنادق والأحكار وغير ذلك، والضياع بالشام ما يقارب ألف ألف درهم في كل سنة كما رتب مصارف البيمارستان والقبّة والمدرسة ومكتب الأيتام. ورتب فيه الاطباء و الجراحين والمجبرين لمعالجة الرمد والمرضى والجرحى والمكسورين من الرجال والنساء، ورتب به الفراشين والفراشات لخدمة المرضى وتنظيف اماكنهم وغسل ثيابهم وخدمتهم في الحمام

أفردت أماكن لاعداد الطعام وتجهيز والأدوية وعمل المراهم والأدهان، وأماكن لاعداد العقاقير.

وكانت غالب موارد البيمارستان من الأوقاف التي تركها السلطان قلاوون ومن تبعه من الأمراء، ومن هذه الأوقاف فندق الملك السعيد بالفسطاط وهو فندق كبير يعلوه ربع كبير عمر في أيام الملك السعيد محمد بن بركة خان ثم ملكه السلطان قلاوون ووقفه على البيمارستان المنصوري ودخله في كل شهر نحو الألفي درهم. كما أوقف أيضاً حمام الساباط وهو حمام القصر الفاطمي من الناحية الغربية ويعرف أيضاً بحمام الصنيمة، وأوقف من القيساريات عدداً كبيراً منها قيسارية الصبانة، وقيسارية المحلى، وقيسارية الضيافة، وقيسارية الفاضل. ومن الأسواق أوقف سوق الأمشاطيين، وسوق النقليين، وسوق القفيصات، وسوق الكتابين وكانت تؤخذ أجرة الأرض لهذه الأسواق مباشرة للبيمارستان المنصوري، كما كان للبيمارستان مصادر أخرى للصرف عليه منها الترياق المعمول به في القاهرة. وكان محتكراً له ومخصصاً إيراده للصرف على البيمارستان.

و كان في البيمارستان اقسام متخصصه ، مثل قسم للحميات ، و قسم للامراض المعويه ، و قسم لأمراض العيون ، و قسم للمصابين فى الحوادث و غيرها، و كان يوجد معامل لتركيب الأدويه و الأمصال و المراهم ، و اماكن للدراسه يلقي فيها الاطباء محاضرات على طلبة الطب، وكانت تقام حفلات موسيقيه للمرضى اثناء فترة اقامتهم

وفي عام1272هـ/1856م كان البيمارستان المنصوري قد بلغ الغاية من الاضمحلال وهجره المرضى ولم يبق به سوى الامراض العقلية ، فنقلت منه إلى ورشة الجوخ ببولاق ولم يكن بهذا المحل الاستعداد اللازم لذلك وكانوا غير معتنى بهم فأنشئ مستشفى لهم في بعض السراي الحمراء التي أنشأها الخديوي إسماعيل باشا بالعباسية ثم أحرقت

ولقد حصلت تغييرات عديدة في أبنيته في عصور مختلفة ولا سيما بعد نقل الامراض العقلية منه إلى غيره من الأمكنة وقد تصرف المشرفون عليه بتأجير قاعاته للسكن فصار كأنه وكالة وصارت مرافقه مخازن لصنّاع النحاس وتجاره.

وحالياً لم يبق من البيمارستان المنصوري سوى جزء من الإيوان الشرقي وفسقية من الرخام والقاعة القبلية وبعض ألواح منقوشة في سقف الإيوان البحري. وتدل التحلية الجبسية في بعض النوافذ التي لا تزال موجودة على حالها في الردهة الشرقية وأعمال الفسيفساء في الفسقية، على أن زخارف البيمارستان لم تكن تقل نفاسة عن زخارف التربة التي هي أسلم بناء حفظ للآن من أبنية قلاوون، وتوجد في آخر ردهة البيمارستان القديم الملاصقة للإيوان الغربي من المسجد، ولا تزال جهتان من حافته مكسوتين بخطوط من الرخام الملون وقاع الفسقية مغطى بالفسيفساء الدقيقة الصنع جداً ولا تزال سليمة وهي مكونة من جزئين: فراغ مستطيل مسطح في وسط جزء مربع مجوف. وكان الماء يأتي إلى الفسقية كما يكون في الفساقي العمومية يخرج من جدار القاع بأنبوب ثم يجري فوق لوح من الرخام كالسلسبيل في الفساقي العمومية. والبناء المسند فوقه لوح الرخام لا يزال قائماً. ويخرج من الفسقية قناة تخترق القاعة بطولها وهذا النظام يشبه مثيله في قصر الحمراء وفي قصر زيزا وهذا النظام كان شائعاً في القصور في جميع البلدان الإسلامية آنذاك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: