الادب

أمي الحبيبة

بقلم _ حسن محمد 

أمي أحبُّ السيدات إليَّ؛ الذي اصطفاها قلبي على نساء العالمين..
اليومُ -الثالث عشر من سبتمبر- عيدُكِ الرابع والأربعين..
أكتب لكِ، وليست المشكلة فيما سأكتب؛ أشِعْرٌ هو أم نَثْرٌ؟
فالشِعرُ لا يكفي، والنثرُ لا يوفي. هكذا يقول العقل.
لكن قلبي يقول: لا تكن من العاجزين يا بُني، واكتبْ ما شئتَ.. ودعْ قلمك يسترسل بما يجيش به صدرك وتوكل على الله..

إن هذا الفتى الشاب ابنك -وقد كبرت لحيته، وثقل شاربه، وخشن صوته- بلغ من السنِّ واحد وعشرون عاما، هذا ما يُسجل بالبطاقة، ويُعرف رجلا بالغا وسط الأقارب والأصحاب.
لكن الحقيقة أنني لو أردتُ الكتابة عنكِ؛ ستختفي العشرون ويبقى الواحد… وهنا الحيرة كلها يا حيرتي: كيف، وماذا يكتب من كان في المهْدِ صبيا؟، يحتاج لمعجزة كالمسيح حتى يتكلم، وهو ليس كذلك.. هو ليس نبيا وصاحب رسالة.
هو طفل رضيع مثل أي طفل ولد، بدأ نطفة فعلقة، فمضغة، فعظاما ولحما. هذه نشأته، مثل أي طفل خلقه الله يخرج صارخا يعوي من ظلام الرَّحم إلى ظلام الدنيا، ولو كان بمقدوره أن يتكلم لقال:
-أنتِ نورٌ رحيمٌ استقبلته بين حبِّ عينيكِ.. أنتِ دِفيءٌ جميلٌ وجدته بين بَراح أحضانك؛ فأنار ظلمتي: مجهول الحياة وصخبها..

* * *

أنا لا أخجل لو قلتُ اسمك على الملإ. لأنهم لا يعلمون، سيظلون يجهلون ولا يعرفون. ويتعجب بعض السامعين من الجيران -وعزيزي القارئ كذلك- أني أناديكِ باسم «منار» صائحا كطفل صغير في البيت؛ فيتهامسون في نظرات مستنكرة قائلين: أهذا رجل؟ هو لم يرَ بربع جنية تربية! كيف ينادي أمه باسمها.. العيب كل العيب «دا اللي اختشو ماتو». لا يهم ما يقولون، وما يظنون.. فهم لا يسكتون..

ولو ناديتُ باسمكِ، لدافع قلبي والشعرُ عنكِ ضد الساخرين قائلين:
أيها الناسُ، كُفّوا عن الهَزْلِ.. وهلُّموا بالغزلِ..
-منار.. هي مَنارةُ سُفُن قلبه.. وإنارةُ شُرُع عقله..
هي سِتُّ الكُلِّ، ووردةُ فُلْ..
-كِتفُها جبلٌ، وتحمُّلها جملٌ..
هي سيدةُ الأملْ، وسَاسَةُ الجَدْلْ..
-أنتِ هَديَّةُ الوصولْ، وهيمنةُ أُسْطُولْ.
هي سلطانةُ العقلِ، وسهرُ الليلِ..
-أنتِ حسُّ اللامبالين، نورُ المكفوفين..
هي سكنُ الشاردين، وطمأنة الموجعين.
أنت عَبِقُ البيت بالعطرِ، وتلطيفُ الجو من الحرِّ..
هي شمسٌ تشرق بالنهار، وندًى يسقطُ ساعة الفجرِ..

* * *
يقطع عقلي الحديث -بين القلب والشعر- بطرح سؤالين:
ما فائدة المِروحة في الصيف، والمِدفأة في الشتاء؟

يرد قلبي:
في الشقة تقطعها ذهابا وإيابا؛ يعوض حركتُها عمل المِروحة..
في الصالة جالسة تُدَنْدِنُ أغنية؛ يعوض حِسُّها عمل المِدفأة..

* * *
كتب نجيب محفوظ رواية «ثرثرة فوق النيل»، وأنا سأكتبُ «ثرثرة في المطبخ»، ولا أدري ما السرُّ في إفشاء أي سِرٍّ هناك؟
لكن على أي حال لا تخافي؛ لن يُأخذ ضدي أي وعيد بالعقاب أو الحبس، فإنها فضائحي أنا: أسرار شخصية لشاب مراهق «من النوع اللي متوديش في داهية والحمدلله».
وأنا لستُ مفكرا ولا فليسوفا لأبحث عن إجابة مقنعة محللة..
لكن لدي سؤال واحد:
هل المُلوخِيَّةُ حشيشٌ يساعد على الثرثرة؟، فتلك رائحتها، فماذا عن طعمها الذي يسْكَرُ العقل ياسُّكَّر؟
آه، أستطيع أن أشمَّ رائحتها وأقول: «يا جماله يا جماله، يا حركاته يا تكاته..»
فتقولين لي بثقة ضاحكة: «ونبي ما هتلاقي واحدة زي أمك تعمل ملوخية، ولا تقولي شيف شربيني، ولا الشيف حسن.. ولا حتى مراتك..».

* * *
ما وجدت أجمل من صوت «محمد منير» اختتم به كلامي وهو يقول:
«أمي الحبيبة أمي الحنون يا قلب ابيض من الندى.. يا صورة عايشة فى العيون
أمي الحبيبة أمي الحنون أنا كنت فين قبلك أنا ومن غيرك إزاي أكون..
أمي الحبيبة أمي الحنون يا صابرة دايما ع الأسى وعلى الهوان وعلى الشجون..
سامحينى يا حضن الحنان.. سامحينى
سامحينى لو خدنى الزمان.. سامحينى
وادعيلى دايما ربنا يهدينى.. خلي الطريق الصعب يا أمي عليا يهون..
يا حب غالى مالي كل كياني.. علمني ربي والرسول وصاني
اوفي جمايلك فى خريف عمرك
واخفض جناح الذل وادعيلك
واطلب الرحمة للي رباني وانا صغير
واسأل عليكي من اخر الدنيا امشيلك
زى الطيور التايهة ما تعود للغصون
أمي الحبيبة أمي الحنون
يا بسمة حلوة نورت لياليا.. انتى الكفاح والصبر والتضحية..
ما تزعليش لو شفتى منى أسية.. أنا برضه ابنك مهما كان ويكون..
وانتى اللي جوة القلب يا أمي الحنون».

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: