ذكريات

كتب/ حمادة توفيق
أبلغتني أُمِّي أنَّ عمَّي ماتَ، استولى عليّ الصمتُ دقائقَ مَرَّت كالدَّهرِ، لم يكن ثمةَ ردٌّ يمكنُ أن يصدرَ مِنَّي بعدما أذهلَتني الصدمةُ أَيَّما ذهولٍ.
عمي؟ نعم كان عليلًا وطاعنًا في السنِّ، لكنه عمي، مات؟ الموتُ من جديد؟!
كم تَحرَّشَ بي الموتُ كأن لم يعرفْ غَيري، من سنواتٍ التهمَ أخي الأكبرَ شابًّا ملءَ السمعِ والبصرِ، وبعدَهُ أبي بعدَ صراعٍ مع المرضِ دامَ سنواتٍ فقدَ فيهنَّ بَريقَهُ وقُوَّتَهُ ونَضَارَتهُ، فقدَ فيهنَّ حتى ابتساماتِه العِذابَ، وكابدَ بؤسًا كان مخيمًا على مَلامِحِهِ محتلًا رَوحَهُ، ياللفجيعة! عمي؟
تماسكتُ مثلما يجدرُ برجلٍ في مثلِ عمري، لا سِيّما وقد جَرَّبَ لوعةَ الفقدانِ ومرارةَ الفراقِ حتى استساغَ الأمرَ فصارَ بالنسبةِ له أمرًا معتادًا.
جئتُ العزاءَ وَجِلًا، تتوالى ذكرياتُ الموتِ أمامي تترى فلا تزيدني إلا وجعًا.
ها هو السرادقُ منصوبٌ لمن حضروا مُعزِّين، عائلتي كبيرةٌ ومعروفةٌ ومتراميةُ الأطرافِ، أذكرُ أنَّ أبي كانَ ينتوي أن يأخذَ بيدي فـَيَصِلُ ما انقطعَ من أواصرِها ويعرِّفني على من لا أعرِفهُ ومن لم يسبقْ لي رُؤيَتُهُ من قبلُ منها، بيدَ أنَّ الموتَ عاجَلَهُ فحالَ بينه وبين ما رامَ، رَحِمَ اللهُ أبي إذن وطيّبَ ثراهُ.
ها هم محتشدونَ بالعشراتِ داخلَ السرادقِ، ألقيتُ السلامَ وانتحيتُ جانبًا، فقامَ إليَّ أبناءُ عَمِّي، سلَّمتُ عليهم ثم أَفسَحوا لي مكانًا فجلستُ.
حلَّت هيبةُ الموتِ فتمكَّنتْ مني، وأمسكتْ الذكرياتُ المُرَّةُ بتلابيبي واستولتْ على قلبي.
ها هو أخي يموتُ أمامي وأنا شابٌّ صغيرٌ في الثامنةِ عشرةَ من عمري، ترقرقتْ دموعٌ من عينيَّ وقد ضِقتُ بحبسهنَّ ذرعًا، فمددتُّ يدًا مرتعشةً أُكَفكِفُها، توالتْ الذكرياتُ مجددًا، ها هو أبي يلفظُ آخرَ أنفاسِهِ، قد عسَّ الموتُ جبينَه ورفرفَ طائِرُهُ بينَ عَينيهِ.
– ياللوجع! تمهّلْ ليس لي غيرُك، أنت الظهرُ أنت السندُ.
بَيْدَ أنَّ الأجلَ قد حانَ، وإذا حانَ الأجلُ لا يُؤخَّرُ، أغمضَ عينَيهِ، بينما ترقرقتْ العبراتُ على خَدّي وقد ضِقتُ بحبسِهنَّ ذَرعًا للمرةِ الثانيةِ.
الموتُ، القوةُ المطلقةُ، الكلمةُ المُفزِعةُ، المصيبةُ الطّامّةُ، الفراقُ الدائمُ، الدموعُ، الوجعُ، الذِّكرى، ومهما طال أجلنا مآلنا إلى فناءٍ يطوينا فنستحيلُ ذِكرى، هو الفيصلُ والكلمةُ الأخيرةُ، هو الحاكمُ الذي لا يُنازَعُ في سلطانِهِ ولا رادَّ لقضائِهِ.
وقفتُ لمجموعةٍ من المُعَزِّينَ أتلقَّى العزاءَ، همهمتُ:
– شكرَ اللهُ سعيَكُمْ ولا أراكمْ مكروهًا في عزيزٍ ولا حبيبٍ.
جلستُ وقد أثارت كلمةُ مكروهٍ شجوني، هل الموتُ مكروهٌ حقًا؟ ربما فقط للعصاةِ أمثالي، لمن سَكِروا بخمرِ الأملِ فغابتْ عنهم الحقيقةُ الكبرى، الموتُ.
يا اللهُ غفرانكَ، حِلمُكَ على من عصاكَ ولا يرجو سواكَ، كم كنتُ غبيًا وقِحًا نذلًا، كم عاقرتُ من الآثامِ الجسامِ ما يشقى به القلبُ ويندى له الجبينُ، وها أنا ورغم تعاقبِ المصائبِ صلدٌ كالصخرِ، لا ألينُ، سبحانَ من سَوَّى القلوبَ وجعل مفاتيحَها بين أصابِعهِ!
تذكرتُ قولَ النبيِّ: كفى بالموتِ واعظًا.
أبي، لم يكن أبًا مثاليًا لكنه كان رحيمًا عطوفًا ورجلًا في زمنٍ قلَّ فيه الرجالُ، كان القدوةَ والأصلَ والرمزَ وسرَّ قوتي وعنفواني، لكن..
مهلًا، اذكروا محاسنَ موتاكم!
عادت الذكرياتُ من أعماقِ الماضي رغمًا عني.
– أنت خائبٌ تعيسٌ لا يُرجى منك نفعٌ وليس لك قيمةٌ.
– لن تُفلحَ ولن تنجحَ وستذكرُ ما أقولُ لكَ.
– انظر حولكَ بعينينِ منصفتينِ ثم احكم بنفسِكَ، هل ترى فيمن حولك أفشلَ منك؟
مهلًا، اذكروا محاسنَ موتاكم!
رحمَ اللهُ أبي، لعله كان يُعنِّفني لأتركَ الكسلَ وأسعى في الأرضِ، ربما كان يفعلُ ما يفعلُ ليصنعَ مني رجلًا ملءَ السمعِ والبصرِ كأخي الأكبرِ.
كان يحبُّ أخي أكثرَ مني، وحُقَّ له ذلك، فلقد كان نعمَ الأخُ، كان كأبي سمتًا ودَلًّا، رجلًا كأصدقِ ما تكونُ الرجولةُ، وكان قدوتي وسندي وأحبَّ الورى إلى قلبي، ولهذا فتَّ موتُهُ في عَضُدي، وفعلَ بي الأفاعيلَ.
لكني كنتُ غَيرَهُ على أيِّ حالٍ، لماذا كان أبي مُصِرًا على أن يجعلَ مني نسخةً طبقَ الأصلِ من أخي؟ لماذا كانَ دائمَ التعنيفِ لي والحطِّ من شأني وقدري؟ لماذا كان ينالُ من كرامتي على مرأىً ومسمعٍ من الناسِ بلا أدنى مراعاةٍ لشعوري؟
مهلًا، اذكروا محاسنَ موتاكم!
نعم، كان نعمَ الأبُ وكنتُ أحبه وأقدِّره، ربما عُذرُهُ أنه كان يريدُ أن يصنعَ مني رجلًا ملءَ السمعِ والبصرِ، لكنه كان يجتهدُ معي على قدرِ علمهِ، وما يراهُ هو مناسبًا لشخصيةٍ عنيدةٍ كشخصيتي، على أيِّ حالٍ ليس هذا وقتًا مناسبًا لتذكرِ أضغانٍ واستعادةِ أحزانٍ، وعزائي أنني اليومَ بفضلِ اللهِ حققتُ ذاتي، صرتُ مدرسًا للغةِ الإنجليزيةِ، وكاتبًا لا يُشَقُّ له غبارٌ، وأبًا لثلاثِ بناتٍ كأنهنَّ الشمسُ في ضُحاها، صرتُ ربًا لأسرةٍ.
– حمادة؟
التفتُّ ألتقطُ الأنفاسَ.
– هذا ابنُ خالِ أبيكَ عليه نسائمُ الرحمةِ.
– رحم اللهُ الأحياءَ والأمواتَ، من؟
– لا تعرفني؟
مدَّ يده فمددتُ يدي أصافِحُهُ، جلسَ إلى جواري وعلى وجههِ ابتسامةٌ رقراقةٌ.
– الدنيا تلاهي.
– كم فرقتْ جمعًا وأضعفتْ شمًلا، أخزاها اللهُ.
– رحمَ اللهُ أباكَ، لو كان عرَّفكَ بنا وعرفنا بك لما كانتْ تلك الوَحشَةُ التي نراها الآن تَتَبجَّحُ.
– هذا صحيحٌ، للهِ الأمرُ.
مللتُ من طولِ المكوثِ فأخرجتُ هاتفي أقلِّبُ فيه، تذكرت نغمةَ هاتفي فابتسمتُ، ماذا لو رنَّ الهاتفُ وأنا في العزاءِ الآن فسمعهُ الحاضرونَ عُجَرُهمْ وبُجَرهمْ؟ ياللفضيحة! إنها أغنيةٌ لكاظمِ السّاهرِ، هذا المطربُ الذي أعشقُ أغانيه لا سيّما ما كان منها بالعربيةِ الفصحى، ربما بسببِ عشقي للعربيةِ، فأنا أحبها حتى الثمالةِ، العربيةُ كانت ولا زالت معشوقتي الأولى، ولن أرضى بها بديلًا.
فجأة رنَّ الهاتفُ، انتبهتُ من غفلتي سريعًا فكتمتُ صَوتَهُ، الحمدُ للهِ أنني أخرجتهُ من جيبي في الوقتِ المناسبِ، لقد تمكنتُ من إنهاءِ المأساةِ قبل وقوعِها، ولملمةِ فضيحةٍ كانت على وشكِ الذيوعِ!
أحسستُ جلبةً في المكانِ فالتفتُّ ناحيةً، نظرتُ إلى ابنِ عمي الأصغرِ بعينينِ متسائلتينِ:
– إنها أمي.
– مالها؟
– سقطت مغشيًا عليها.
ثقُلتْ بي قدمايَ من هولِ ما سمعتُ، واستولى عليّ ذهولٌ جديدٌ.

Comments (0)
Add Comment