القاهرية
العالم بين يديك
Index Banner – 300×600

مدينة لبدة الكبرى – قطعة من روما في أفريقيا

128

د. إيمان بشير ابوكبدة 

تعد مدينة لبدة الكبرى واحدة من أفضل الآثار الرومانية المحفوظة في البحر الأبيض المتوسط. وتعتبر من عجائب أفريقيا وكانت لبدة الكبرى مدينة مزدهرة في الإمبراطورية الرومانية. وتقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط، عند مصب وادي لبدة، الذي يكون مرفأ طبيعيا على بعد ثلاثة كيلومترات شرقي مدينة الخمس، على بعد 120 كلم شرق العاصمة الليبية طرابلس. وكانت من أجمل مدن الإمبراطورية الرومانية بفضل سبتيموس سيفيروس الذي قام بتوسيعها وتجميلها، حيث أقام مباني عامة مهيبة وميناء وسوقا ومستودعات ومتاجر وأحياء سكنية.

تأسست المدينة على يد الفينيقيين حوالي العام 1000 ق م، لتکون مرفأً يلجئون إليه وقت الحاجة أثناء رحلاتهم التجارية النشطة في البحر الأبيض المتوسط. ولأنها تتميز بطريق يربط التجارة الساحلية بين المشرق والمغرب، وقربها من طريق القوافل التجارية الصحراوية المتجهة إلى دواخل الصحراء جنوبا، وهو ما أهلها لأن تكون محطة تجارية هامة لهذه القوافل، بالإضافة إلى کونها موقعا محاطا بمنطقة زراعية مهمة، تتوفر على المياه العذبة والموارد الزراعية، فضلا عن أنها تحتوى على مرفأ محمي يساعد على رسو السفن.

وقد أطلق الفينيقيون على المدينة أسم لفقي أو لبقي، وهو اللفظ الذي تطور عنه اسم المدينة فيما بعد لتصبح باسم لبتيس، مع إضافة صفة الكبرى أو العظمى (ماجنا) للتمييز بينها وبين مدينة لبدة الصغرى. 

وأصبحت جزءا من ولاية قرطاج حتى القرن الرابع قبل الميلاد. الحرب البونيقية الثانية. وفي عام 146 قبل الميلاد تم ضمها تحت السيطرة الرومانية. ولدت لبدة الكبرى من جديد خلال الفترة الرومانية، عندما تم دمج المدينة في الإمبراطورية تحت حكومة الإمبراطور الروماني تيبيريوس، كجزء من مقاطعة أفريقيا الرومانية. ومنذ ذلك الحين، أصبحت ثالث أهم مدينة في أفريقيا. في عهد الإمبراطور سيبتيموس سيفيروس، وصلت إلى ذروتها عندما منحت برنامجا واسعا من الأعمال.

كان سيبتيموس سيفيروس، وهو في الأصل من لبدة، يفضل مسقط رأسه، ويرعى توسيعها على نطاق واسع وبأسلوب.

في حوالي القرن الثالث، كان هناك انخفاض في التجارة الرومانية، كما انخفضت أهمية لبدة الكبرى، وبحلول منتصف القرن الرابع، تم التخلي عن الأجزاء الرئيسية من المدينة.

بسبب الفوضى العسكرية، أصبحت مدينة لبدة الكبرى ومعظم مدن طرابلس غير محمية. في عام 439، غزا الوندال الإمبراطورية الرومانية، وأسسوا مملكة في شمال إفريقيا وعاصمتها قرطاج. أصبحت لبدة الكبرى جزءا من مملكة الوندالية.

في عام 523 قامت مجموعة من المغيرين الأمازيغ بنهب المدينة. في عام 534، استعاد الجنرال البيزنطي بيليساريوس مدينة لبدة الكبرى ودمر مملكة الوندال. وضم المدينة إلى الإمبراطورية البيزنطية. في عام 650، هزم العرب البيزنطيين وسيطروا على كامل إقليم طرابلس.

بعد الفتح العربي لشمال إفريقيا في القرن السابع الميلادي، تركت مهجورة ولم تعد مأهولة بالسكان منذ ذلك الحين. 

المعالم الأثرية 

صنفتها اليونسكو ضمن قائمة مواقع التراث العالمي في ليبيا وذلك منذ العام العام 1982.

معالم أثرية عدة تحملها مدينة لبدة، كونها كبيرة الحجم نسبيا، ورغم إهمال هذه المعالم إلا أن كل منها لا يزال قائما بذاته كمنشأة تاريخية منفصلة عن البقية، وذلك يتيح تخيل المدينة وكيف كانت قبل الميلاد، وخاصة مع وجود إشارات استرشادية، ولوحات تعريفية بين أزقة هذه المعالم.

أحد أهم المعالم هو المنتدى القديم، والذي صمم في عهد الإمبراطور أوغسطس، وهو عبارة عن مجموعة مباني، تقع بجانب شاطئ البحر، وقد زخرف المنتدى بمعابد صغيرة وزين بتماثيل عملاقة للأباطرة الرومان، وأُجريت على المنتدى بعض التحسينات من قبل حكام المدينة الرومان وبعض التجار الأغنياء، وما زالت هذه التماثيل موجودة حتى اليوم في متحف مدينة طرابلس.

كما تحتوى لبدة على معلم السوق القديم، والذي بني من قبل تاجر ثري عام 8 قبل الميلاد، وكانت تباع في هذا السوق الأسماك واللحوم وفيه الكثير من الأكشاك الموجودة حول حوض لغسل الأسماك، واستخدم التاجر مواد باهظة الثمن لبنائه.

مسرح لبدة الكبير يعتبر مقصدا لكل المتوجهين لهذه المدينة الأثرية، حيث أنه ما زال صامدا وواضح المعالم مقارنة بمجموعة من الآثار الأخرى.

أما المدرج فكان أساسه مقلع حجارة كبير، وقد تحول لمدرج في زمن الإمبراطور نيرون، وفي هذا المدرج فن الفسيفساء الرائع الذي يصور المعارك التي وقعت فيه.

بني في الإمبراطور ماركوس أوريليوس السيرك الذي يستخدم في السباقات، فضلا عن حمامات هارديان والتي سميت بهذا الاسم نسبة للإمبراطور هارديان، وقد زينت قاعاته بأنواع مختلفة من الرخام والكثير من التماثيل، ويوجد بعضها اليوم في متحف طرابلس.

معبد آخر يسمى سرابيس، وهو إله ذو سمات مشتقة من أوزوريس المصري وزيوس اليوناني عند الرومان وسمي هذا المعبد على اسمه، وبني في عهد الإمبراطور ماركوس أوريليوس وزين بأعمدة من الرخام النادر فيه أوردة زرقاء اللون.

أعلن في عام 2006 م، من قبل فريق من المستكشفين الأثريّين الألمان، والذين يتبعون لجامعة هامبورغ، عن اكتشافهم لأرضية مرصوفة من الموزاييك، ويبلغ طولها ثلاثين قدما، وتعود في قدمها ما بين القرن الأول للميلاد والقرن الثاني.

قد يعجبك ايضا
تعليقات