القاهرية
العالم بين يديك
Index Banner – 300×600

غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم

110

بقلم – حسن محمود الشريف

بني قريظة
عندما رجع سيد الرجال – صلى الله عليه وسلم- من غزوة الأحزاب ودخل دار أم سلمة إذ بجبريل -عليه السلام – يقول له : أوضعتم السلاح ؟ إن الملائكة لم تضع السلاح وإني ذاهب إلى بني قريظة ألقي في قلوبهم الرعب فأرسل سيد الرجال- صلى الله عليه وسلم – من ينادي ويقول لا يصلينَّ أحد منكم العصر إلا في بني قريظة فخرج سيد الرجال – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه حتى وصلوا إلى بنى قريظة منهم من لم يُصلِّ العصر إلابعد دخول وقت العشاء امتثالا لأمر سيد الرجال – صلى الله عليه وسلم – ومنهم من صلَّى فى الطريق لفهمه أن سيد الرجال – صلى الله عليه وسلم – كان يقصد الخروج وعندما تم حصار بنى قريظة وعلموا أنهم لا سبيل لهم طلبوا أن يرسل لهم أحد حلفائهم من المسلمين فطلبوا أبا لبابة فذهب إليهم وخرجوا له أطفالهم يبكون ونسائهم فرق لهم فسألوه وكانت أمواله وولده في منطقتهم، فلما رأوه قام إليه الرجال، وقالوا‏:‏ يا أبا لبابة، أترى أن ننزل على حكم محمد‏؟‏ قال‏:‏ نعم ؛ وأشار بيده إلى حلقه، يقول‏:‏ إنه الذبح، ثم علم من فوره أنه خان الله ورسوله فمضي على وجهه، ولم يرجع إلى سيد الرجال – صلى الله عليه وسلم – حتى أتي المسجد النبوي بالمدينة، فربط نفسه بسارية المسجد، وحلف ألا يحله إلا سيد الرجال – صلى الله عليه وسلم – بيده، وأنه لا يدخل أرض بني قريظة أبداً‏.‏ فلما بلغ سيد الرجال صلى الله عليه وسلم خبره ـ وكان قد استبطأه ـ قال‏:‏ ‏(‏أما إنه لو جاءني لاستغفرت له، أما إذ قد فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه‏)‏‏.‏
وبرغم ما أشار إليه أبو لبابة قررت قريظة النزول على حكم سيد الرجال – صلى الله عليه وسلم – ، ولقد كان باستطاعة اليهود أن يتحملوا الحصار الطويل ؛ لتوفر المواد الغذائية والمياه والآبار ومناعة الحصون؛ ولأن المسلمين كانوا يقاسون البرد القارس والجوع الشديد وهم في العراء، مع شدة التعب الذي اعتراهم ؛ لمواصلة الأعمال الحربية من قبل بداية معركة الأحزاب، إلا أن حرب قريظة كانت حرب أعصاب، فقد قذف الله في قلوبهم الرعب، وأخذت معنوياتهم تنهار، وبلغ هذا الانهيار إلى نهايته أن تقدم علي بن أبي طالب والزبير بن العوام، وصاح علي‏ :‏ يا كتيبة الإيمان، والله لأذوقن ما ذاق حمزة أو لأفتحن حصنهم‏.‏
وحينئذ بادروا إلى النزول على حكم سيد الرجال- صلى الله عليه وسلم – ، وأمر سيد الرجال صلى الله عليه وسلم – باعتقال الرجال، فوضعت القيود في أيديهم تحت إشراف محمد بن مسلمة الأنصاري، وجعلت النساء والذراري بمعزل عن الرجال في ناحية، وقامت الأوس إلى سيد الرجال صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ يا رسول الله، قد فعلت في بني قينقاع ما قد علمت، وهم حلفاء إخواننا الخزرج، وهؤلاء موالينا، فأحسن فيهم، فقال‏:‏ ‏(‏ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم‏؟‏‏)‏ قالوا‏:‏ بلي‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏فذاك إلى سعد بن معاذ‏)‏‏.‏ قالوا‏:‏ قد رضينا‏.‏
فأرسل سيد الرجال – صلى الله عليه وسلم – إلى سعد بن معاذ، وكان في المدينة لم يخرج معهم للجرح الذي كان قد أصاب أكْحُلَه في معركة الأحزاب‏.‏ فأُركب حماراً، وجاء إلى سيد الرجال- صلى الله عليه وسلم- ، فجعلوا يقولون، يا سعد، أجمل في مواليك، فأحسن فيهم، فإن رسول الله قد حكمك لتحسن فيهم، وهو ساكت لا يرجع إليهم شيئاً، فلما أكثروا عليه قال‏:‏ لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم، فلما سمعوا ذلك منه رجع بعضهم إلى المدينة فنعي إليهم القوم‏.‏
ولما انتهى سعد إلى سيد الرجال – صلى الله عليه وسلم – قال للصحابة‏:‏ ‏(‏قوموا إلى سيدكم‏)‏، فلما أنزلوه قالوا‏:‏ يا سعد، إن هؤلاء قد نزلوا على حكمك‏.‏ قال‏:‏ وحكمي نافذ عليهم‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ وعلى المسلمين‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم، قال‏:‏ وعلى من هاهنا‏؟‏ وأعرض بوجهه وأشار إلى ناحية سيد الرجال – صلى الله عليه وسلم – إجلالاً له وتعظيمًا‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏نعم، وعلي‏)‏‏.‏ قال‏:‏ فإني أحكم فيهم أن يقتل الرجال، وتسبى الذرية، وتقسم الأموال، فقال سيد الرجال – صلى الله عليه وسلم‏ – :‏ ‏(‏لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات‏)‏‏.‏
وكان حكم سعد في غاية العدل والإنصاف، فإن بني قريظة، بالإضافة إلى ما ارتكبوا من الغدر الشنيع، كانوا قد جمعوا لإبادة المسلمين ألفاً وخمسمائة سيف، وألفين من الرماح، وثلاثمائة درع، وخمسمائة ترس، وحَجَفَة ، حصل عليها المسلمون بعد فتح ديارهم‏.‏
وأمر سيد الرجال – صلى الله عليه وسلم- فحبست بنو قريظة في دار بنت الحارث امرأة من بني النجار، وحفرت لهم خنادق في سوق المدينة، ثم أمر بهم، فجعل يذهب بهم إلى الخنادق أرسالاً أرسالاً، وتضرب في تلك الخنادق أعناقهم‏.‏ فقال من كان بعد في الحبس لرئيسهم كعب بن أسد‏:‏ ما تراه يصنع بنا‏؟‏ فقال‏:‏ أفي كل موطن لا تعقلون‏؟‏ أما ترون الداعي لا ينزع‏؟‏ والذاهب منكم لا يرجع‏؟‏ هو والله القتل ـ وكانوا ما بين الستمائة إلى السبعمائة، فضربت أعناقهم‏.‏
وهكذا تم استئصال أفاعي الغدر والخيانة، الذين كانوا قد نقضوا الميثاق المؤكد، وعاونوا الأحزاب على إبادة المسلمين في أحرج ساعة كانوا يمرون بها في حياتهم، وكانوا قد صاروا بعملهم هذا من أكابر مجرمي الحروب الذين يستحقون المحاكمة والإعدام‏.‏
وقتل مع هؤلاء شيطان بني النضير، وأحد أكابر مجرمي معركة الأحزاب حُييّ بن أخطب والد صفية أم المؤمنين – رضي الله عنها – كان قد دخل مع بني قريظة في حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان ؛ وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه حينما جاء يثيره على الغدر والخيانة أيام غزوة الأحزاب، فلما أتي به ـ وعليه حُلَّة قد شقها من كل ناحية بقدر أنملة لئلا يُسْلَبَها ـ مجموعة يداه إلى عنقه بحبل، قال لسيد الرجال – صلى الله عليه وسلم‏ – :‏ أما والله ما لمت نفسي في معاداتك، ولكن من يُغالب الله يُغْلَب‏.‏ ثم قال‏:‏ أيها الناس، لا بأس بأمر الله، كتاب وقَدَر ومَلْحَمَة كتبها الله على بني إسرائيل، ثم جلس، فضربت عنقه‏.‏
وقتل من نسائهم امرأة واحدة كانت قد طرحت الرحى على خَلاَّد بن سُوَيْد فقتلته، فقتلت لأجل ذلك‏.‏
ولما عاد سيد الرجال – صلى الله عليه وسلم – إلى المدينة مات سعد بن معاذ- رضى الله عنه – الذى قال عنه سيد الرجال – صلى الله عليه وسلم-
وفي الصحيحين عن جابر أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم – قال‏:‏ ‏(‏اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ‏)‏‏.‏ وصحح الترمذي من حديث أنس قال‏:‏ لما حملت جنازة سعد بن معاذ قال المنافقون‏:‏ ما أخف جنازته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن الملائكة كانت تحمله‏)‏‏.‏
قتل في حصار بني قريظة رجل واحد من المسلمين، وهو خلاد بن سُوَيْد الذي طرحت عليه الرحى امرأة من قريظة‏.‏ ومات في الحصار أبو سِنان بن مِحْصَن أخو عُكَّاشَة‏.‏
وأما أبو لُبابة، فأقام مرتبطاً بالجذع ست ليال، تأتيه امرأته في وقت كل صلاة فتحله للصلاة، ثم يعود فيرتبط بالجذع، ثم نزلت توبته على سيد الرجال صل الله عليه وسلم سَحَرًا وهو في بيت أم سلمة، فقامت على باب حجرتها، وقالت‏:‏ يا أبا لبابة، أبشر فقد تاب الله عليك، فثار الناس ليطلقوه، فأبي أن يطلقه أحد إلا سيد الرجال- صلى الله عليه وسلم- ، فلما مر
النبي – صلى الله عليه وسلم – خارجاً إلى صلاة الصبح أطلقه‏.‏
وقعت هــذه الغــزوة فـي ذي القعدة سنـة 5 هـ، ودام الحصار خمسًا وعشريـن ليلة‏.‏
وأنزل الله تعإلى في غزوة الأحزاب وبني قريظة آيات من سورة الأحزاب، ذكر فيها أهم جزئيات الوقعة، وبين حال المؤمنين والمنافقين، ثم تخذيل الأحزاب، ونتائج الغدر من أهل الكتاب‏.‏ وصلى الله وسلم على سيد الرجال عليه الصلاة و السلام.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

قد يعجبك ايضا
تعليقات