القاهرية
العالم بين يديك

محمد النفس الزكية مناقبه، حياته، ثورته وكيف قُتل. (3)

0 49

 

كتب/ حمادة توفيق.

محاولة يائسة:

تنامى إلى النفس الزكية خبر سجن والده واضطهاد عدد من أنصاره، فتأثر لحالهم، وأرسل مع والدته رسالة شفوية يقول فيها: « أن يُقتل رجلٌ من آل محمد خيرٌ من أن يقتل بضعة عشر رجلًا ».

وكان الجواب: « حفظ الله محمدًا، قولي له: فليأخذ في الأرض مذهبًا، فوالله ما يحتج عند الله غدًا إلا أنا خُلقنا، وفينا من يطلب هذا الأمر ».

هذه العبارات شدّت من عزيمة محمد، وغذّته بروح جديدة لمواصلة الكفاح ضد طغيان الحكم العباسي، فكثّف من نشاطه، ووسّع من علاقاته حتّى استطاع كسب تأييد قطاع كبير من جمهور المسلمين في مختلف الأمصار.

وحار المنصور في أمره، وفكر طويلًا في الخروج من هذا المأزق الذي يُنذر بمستقبل قاتم، ووجد أن سياسة الإرهاب هي آخر سَهْم يمكنه أن يرميه لاكتشاف مكان اختفاء النفس الزكية، فتذرّع بوسيلة أمويّة، إذ اختار واليًا للمدينة معروفًا بقسوته، لا يتمتع بدين، ولا يلتزم بتقوى، إنه « رباح بن عثمان بن حيّان » (ابن عم مسلم بن عقبة، صاحب موقعة الحَرة التي استباح فيها المدينة أيام يزيد بن معاوية).

دخل رباح المدينة، وقصد قصر الإمارة (دار مروان)، ثم زار السجن والتقى بعبدالله بن الحسن، وخاطبه بقسوة:

« أيها الشيخ، لأزهقنّ روحك، أو لتأتيني بابنيك محمد وإبراهيم ».

ولما لم يصل معه إلى نتيجة توجّه إلى المسجد، وارتقى المنبر كما فعل أسلافه (زياد ابن أبيه والحجاج) وحاول أن يثير الرعب في قلوب الناس، ويعيد إلى ذاكرتهم موقعة الحرة، فقال: « يا أهل المدينة، أنا الأفعى ابن الأفعى، عثمان بن حيان، وابن عم مسلم بن عقبة، المبيد خضراكم، المفني رجالكم، والله لأدَعنّها بلقعًا لا ينبح فيها كلب ».

ثم اجتهد في طلب النفس الزكية، فبثّ العيون في كل مكان، حتّى استطاع أن يعثر على مكانه، ولما أرسل جنوده، أسرع محمد إلى الفرار، ونجا بنفسه ومن معه.

فشلُ هذه المحاولة أثار غضب عثمان فصعد المنبر مهدّدًا ومستخدمًا لغة السباب والشتائم: « ألصق الله بوجوهكم الذلّ والهوان، أما والله لأكتبنّ إلى خليفتكم فلأعلمنّه غشكم وقلة نصحكم ».

هذا الموقف أثار أهل المدينة، فصاحوا في وجهه، ورجموه بالحصى، ورموه بأقذع الشتائم، ففرّ هاربًا إلى دار مروان!

وكتب رباح إلى المنصور يشرح حال أهل المدينة، فوجه إليهم رسالة تهديد ووعيد:

« يا أهل المدينة، أمير المؤمنين يقسم بالله لئن لم تنزعوا ليبدلنّكم بعد أمنكم خوفًا، وليقطعنّ البر والبحر عنكم، وليبعثن عليكم رجالًا غلاظ الأكباد بعاد الأرحام ».

ووقعت المجزرة في آل الحسن عليهم السّلام، إذ لم تُفلح رسالة المنصور في تهدئة النفوس الثائرة، ففضّل أن يحضر بنفسه إلى المدينة ليعالج الوضع المتأزم.

وفي سنة 144هـ وفي موسم الحج، لم يجرؤ على دخول المدينة، فخيم خارجها (الربذة)، وحمل إليه « رباح بن حيان » سجناء آل الحسن وهم مكبلون بالأغلال، واستفسر منهم عن مكان النفس الزكية، فلم يفيدوه بجواب حاسم، فأمر بسَوقهم إلى الكوفة على إبل بدون وطاء، وهناك حشدهم في سجن مظلم، كانوا لا يعرفون فيه الليل من النهار، وهناك لقي كثير منهم الموت نتيجة التعذيب والتنكيل.

وقد قدّم الجاحظ صورة مأساوية عن حال بني الحسن في سجون العباسيين، فقال: « ومضى المنصور ببني حسن إلى الكوفة، فسجنهم بقصر ابن هبيرة، وأحضر محمد بن إبراهيم بن الحسن وأقامه، ثم بنى عليه أسطوانة وهو حي، وتركه حتّى مات جوعًا وعطشًا، ثم قتل أكثر من معه من بني حسن ».

ومن جملة من قُتل في السجن « محمد بن عبدالله بن عمرو بن عثمان » حيث احتزّوا رأسه وبعثوا به مع جماعة إلى خراسان، فطافوا بالرأس في مدنها، وهم يزعمون أنه رأس محمد النفس الزكية.

هذه المظاهر الإعلامية هيجت مشاعر الشيعة في خراسان وغيرها، وذكّرتهم بأفعال الأمويين في كربلاء، فانطلقوا يندّدون بسياسة القتل والتنكيل بآل بيت الرسول صلّى الله عليه وآله وكادوا يعلنون العصيان على الحكم، وهنا شعر المنصور بخطورة ما أقدم عليه فبادر إلى تبرير موقفه، والتنصّل من جرائمه، برسالة مسالمة إلى أهل خراسان:

« يا أهل خراسان، أنتم شيعتنا وأنصارنا، وأهل دعوتنا، ولو بايعتم غيرنا لم تبايعوا خيرًا منا، إنّ ولد ابن أبي طالب تركناهم والذي لا إله إلا هو والخلافة، فلم نعرض لهم لا بقليل ولا بكثير ».

وأمام الواقع المأساوي الذي أصاب آل الحسن عليهم السّلام، وأمام الإلحاح الشديد من الأنصار بإعلان الثورة، خرج محمد النفس الزكية من مخبئه في أول رجب سنة 145هـ، وفاجأ الناس والوالي العباسي بالظهور، وتقدم بموكب من مائتين وخمسين مقاتلًا إلى سجن المدينة، وفتحوا أبوابه أمام السجناء المظلومين، ثم طافوا الشوارع وهم يهتفون بشعارات الثورة والتنديد بإرهاب العباسيين، وقد حرص محمد على أن تكون ثورته بيضاء فمنع أصحابه من سفك الدماء والتعذيب والتنكيل.

وانتهت المسيرة إلى دار مروان حيث كان يعتصم والي المدينة رباح بن عثمان، فاقتحموه، واستولوا على بيت المال، وقبضوا على رباح وأودعوه السجن، ثم اعتلى النفس الزكية المنبر وخطب الناس، محدّدًا أهدافه بحرب الطاغية المنصور، وإقامة دولة الله:

«… وإن أحق الناس بالقيام بهذا الدين أبناء المهاجرين والأنصار، اللهم إنهم قد أحلّوا حرامك، وحرّموا حلالك، وآمنوا من أخفت، وأخافوا من آمنت، اللهم فأحصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تغادر منهم أحدً، أيها الناس إني والله ما خرجت من بين أظهركم، وأنتم عندي أهل قوة ولا شدة، ولكني اخترتكم لنفسي، والله ما جئت هذه وفي الأرض مصر يُعبد فيه الله إلا وقد أخذ لي منه البيعة ».

وفي المدينة شرع محمد النفس الزكية بالعمل على كسب تأييد وبيعة الناس في مختلف أقطار العالم الإسلامي فـ :

ـ استصدر من « مالك بن أنس » فتوى تجيز للناس التحرّر من بيعة المنصور إلى مبايعة النفس الزكية، وقد برّر ذلك قائلًا: « إنما بايعتم مُكرَهين، وليس على كل مكره يمين »، وكان لهذه الفتوى أثرها في إقبال الناس.

ـ أرسل إخوته وأبناءه إلى الأمصار الإسلامية لأخذ البيعة: ابنه الحسن إلى اليمن، علي إلى مصر، وعبدالله إلى خراسان، وأخوه موسى إلى الجزيرة، ويحيى إلى الري وطبرستان، وإدريس إلى المغرب، وإبراهيم إلى البصرة.

وزّع بعض الولاة والعمال على البلاد (مكة، اليمن، الشام).

من خلال هذا التحرك السريع، استطاع محمد أن يسيطر على الموقف في الحجاز وبعض الأقطار، وأن يستقطب ولاء معظم القبائل سوى: بني زهرة وعمرو وغفار.

رسائل متبادلة:

وبينما كان المنصور مستغرقًا في بناء عاصمته الجديدة بغداد، أتته رُسل من المدينة تخبره عن مسلسل الاحداث هناك، فانتفض غاضبًا، وأوقف العمل، وعاد إلى الكوفة ليتدبر الأمر، ويحسم الموقف.

وبعد سلسلة مشاورات مع قادته، رأى أن يبدأ الخطوة الأولى برسالة إلى محمد النفس الزكية، يعرض فيها رغبته للسلام، ويؤكد له ضماناته للأمان، ولعل المنصور كان يهدف إلى أمرين:

1 ـ أن يبذل آخر محاولة سلمية، تثني النفس الزكية عن القتال، وعند الرفض تبرّر ما سيقدم عليه من أعمال.

2 ـ أن يأخذ الوقت الكافي لدراسة ردّات الفعل من جهة، والإعداد لحملة عسكرية قادرة من جهة أخرى.

في الرسالة الأولى أظهر المنصور وداعَة ورغبة في السلام: « ولك علَيَّ عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسول الله صلّى الله عليه وآله، إن تبتَ ورجعَت من قبل أن أقدر عليك أن أؤمّنك وجميع ولدك وإخوتك وأهل بيتك، فإن أردت أن تتوثق لنفسك فوجّه إليّ مَن أحببت يأخذ لك من الأمان والعهد والميثاق ما تثق به ».

ويبدو أن محمدًا النفس الزكية استشعر من نفسه القوة، ومن رسالة المنصور الضعف، فردّ عليه بكتاب يثبت فيه حقه بالخلافة، ويشكك بأمانه ومواثيقه، فتاريخه بالغدر ونكث العهود مشهور وقريب:

« … وأنا أعرض عليك من الأمان مثل الذي عرضت عليّ، فإنّ الحق حقنا وإنما ادعيتم هذا الأمر بنا، وخرجتم له بشيعتنا، وحظيتم بفضلنا، وإن أبانا عليًّا كان الوصي، وكان الإمام، فكيف ورثتم ولايته وولده أحياء؟ فأنا أولى بالأمر منك، وأوفى بالعهد، لأنك أعطيتني من العهد والأمان ما أعطيته رجالًا قبلي، فأي الأمانات تعطيني؟ أمان ابن هبيرة؟ أم أمان عمك عبدالله بن علي؟ أم أمان أبي مسلم؟ ».

تسلّم المنصور رسالة النفس الزكية، فأثارت سخطه، وكتب له ردًّا عنيفًا كله فخر بالأنساب والمواقف، ومما قال في نهايته: « فكيف تفخر علينا، وقد عِلْناكم في الكفر وفديناكم من الأسر، وحُزْنا عليكم مكارم الآباء، وورثنا دونكم خاتم الأنبياء، وطلبنا بثأركم، فأدركنا منه ما عجزتم عنه، ولم تدركوا لأنفسكم… ».

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: