الادب

كيف أسير مستقيمًا وكل هذه الأعين تتربص بي؟

بقلم محمود أمين

الحياة قائمة والعلاقات تتبدل بين الفينة والأخرى، والناس لكل منهم شخصيته التي تملي عليه الأفعال لكني وجدت أمرًا قد تساوى فيه معظم الناس وهو غياب الوعي.
الوعي هو الإدراك الذاتي بوجودنا والحكم على هذا الوجود بقيمة معينة تصدر عن مدى تقيمينا لجودة تلك الظروف باحتكاكها بذاتنا. هل أملك الوعي الكافي لكتابة هذا المقال؟ لقد قدح زند الكتابة فكر لا أحسبه وليد هذه اللحظة، ولكن المتأمل يتضح له في اليوم أكثر من فكرة وبذرة لمقالات ومقالات، والشارع موطن كل عبرة؛ ففيه السوقي الذي يحتك بأهل الطبقة العليا، وأصحاب الحرف والصناعات يحلفون لأهل الطلب، والباعة الذين يطلبون أرزاقهم بالصياح، وقاطع الطريق الذي يسترزق من مهنته وقد أملى عليه ضميره أن من جاء في طريقه لم يخرج زكاته فهو آخذ تلك الزكاة عنوة من جيوبهم وقد سمّى نفسه من أهل الفقر والحاجة.
أطرق السمع في الشارع تسمع:
– هذه أم اهترأ حذاؤها من كثرة السعي على رزق بيتها أملًا منها في بلوغ حاجة رخيصة، والباعة يحملقون فيها ويتأففون من فصالها، ولكنها تتجاهل كل تلك النظرات، وتكمل السعي طلبًا للرزق في خفة الفتاة الشابة، والمرأة لو رضيت تحولت إلى جندي في معركة الحياة فلا يغلبها عن جهادها مغالب، وقد كتب الله لهذه الأم رزقًا في سعيها كما كتبه لكل من سعى.
– هذا رجل غني بيّن الثراء، يضوع منه المسك ويتمايل في عنجهية الطاووس كأن الأرض تهتز في طرب مشيته، والثراء له جمال في القلب وعافية في الجسد، وهل رأيت غنيًا يومًا يمشي مشية المكاسير؟ والناس يصنعون منه نجمًا في السماء، وخيالهم يساعد في صنع المشهد وإذا انقاد الفقير للخيال فهو يأكل فيه لحمًا وخبزًا، ولا يدري الناظر أنه أضاف إلى فقره هم فقره إذ الفقير لا يشعر بعُدمه ومسكينيته إلا أمام الغنى كالجنيه أمام المائة هل تستطيع أن يتفاخر؟ والرأس صراع الفكر وفكر الفقير في تلك اللحظة لا يخرج عن فكرتين آيستين، لماذا لا يعطيني الغني بعضًا من ماله؟ ولماذا الفقر يلازمني؟
– هذا الرجل المسكين وقد أردف خلفه ثلاث بنات في غاية الحسن الأولى وجهها كالصبح إذا أسفر هي الكبيرة في هيئتها واهتمامها بأختيها، رزقها الله قبولًا في خلقتها، والثانية زينت نفسها حتى تكادُ تعشقها من شدة هذا الحسن الملائكي وكأن الرائي بينها وبين عينيها لغة كلام وسحر يجذبها وتجذبه، والثالثة صغيرة بسيطة عيناها واسعتين أخذت من حسن الأولى والثانية فكيف أصبحت؟ جذبن عقلي وجذبن فكري وأرسلن رسول المودة فلم يبق إلا الكلام، وقد نسيت أمر والدهن فهو رجل وقور تزينُ وجهه لحية خفيفة وأنف قائم في وجهٍ قسيم وسيم، تظهر عليه ملامح العائل الوحيد لتك الورود، والرضا يملأ نفسه وفي الرضا قناعة وحب لله، والأدب زينته وزينتهن فلا يخالفنه في كلام أو اختيار حتي يبدو أنه أورثهن رضا نفسه.
– هذا بائع يحلف في كلامه كله ويتجاوز البيع إلى حديث الذمة والعهد وكأنه إمام رقى منبرًا، وشر الباعة من جعل يمينه جُنة، فلول استطعت ألا تكمل معه فدعه، لأنه سيأخذ من نفسيتك إيجابيتها ويترك لك سلبيات السوق، وهل يحتاج الرزق إلى الحلف؟ وهل يصدق الناس حلف الباعة؟ في رأيي أن الناس لا تصدق حلف الباعة إذا لمَ يحلفون؟
هذه جملة من غياب الوعي وحضور الفطنة البشرية والذكاء الاجتماعي، والأمثال وتطول وحديثها أطول وقد اكتفيت بهذا القدر حتى لا أطيل على قارئ العزيز.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: