الادب

كبسولات قصصية

بقلم رشا فوزي

أنا…وطفلتي
عندما كنت طفلة كنت خجولة جدا ومنطوية أخشى الغرباء والناس عموما، حتى إني كنت أسبب حرجا لوالدي كلما أتى ضيوف إلى منزلنا؛ لأصراري على عدم الخروج من غرفتي والترحيب بهم.
مرت الايام كبرت، وتزوجت، وأنجبت طفلة جميلة ملكت قلبي، وشغفت بها حبا، لكنها كانت على

عكسي تماما، مرحة وتعشق الاختلاط بالناس ومعاشرتهم دون خوف أو تردد.
ما زلت أذكر يوما كانت لم تتجاوز بعد الرابعة، وكنا نتنزه وتصادف وجود عروس وعريسها محاطين بجمهرة من الناس يتراقصون على صوت الطبول والمزامير في جو من البهجة و الأنس.
و إذ بابنتي بقلب يمتلأ حماسة ترجوني وتلح في الرجاء:
– والنبي يا ماما، نسلم على العروسة، عايزة أشوفها من قريب !
معذورة، فقد كانت المرة الأولى التي تشاهد فيها عروسا على الطبيعة، وليس في الصور أو التلفاز، وقد بهرها ثوبها الأبيض المنفوش، وتاجها البرّاق، ومكياجها الزاعق، وزينتها اللامعة.
تسمرت في مكاني، وتملكني الهلع؛ فقد كبر معي خوفي من الغرباء وخجلي من الناس، وشعوري بالارتباك والاضطراب بينهم. عبثا حاولت ان أثنيها عن رغبتها بالرفق تارة، والمحايلة تارة، إلا إنها أصرت و زاد إلحاحها. كدت أستخدم سلطتي كأم وأحسم الموقف لما فيه راحتي، وأمضي بها بعيدا عن العروس والعرس، إلا إنها حاصرتني بنظرات تملأها البراءة و الرجاء، وعينين تترقرق بهما الدموع، تستحلفني بقلة حيلتها ألا أكسر بخاطرها وأخيب رجاءها.

لم يطاوعني قلبي، ووجدتني أخذ بيدها الصغيرة وأشق طريقا بين جمهرة الناس المحيطة بالعروسين في إصرار، وأقبل عليهما في ثبات زائف، وقد تسارعت دقات قلبي حتى ظننت أن الدماء ستتدفق من وجهي.
ابتسمت للعروس بارتباك، و بتردد قولت لها:
– ألف مبروك!
نظرت لي بارتياب، وقد حام على وجهها سؤال منطقي “من أنتِ؟، هل أعرفك؟!”،
لكني عاجلتها قبل أن ترد عليّ، وقلت لها أن ابنتي ترغب في أن تسلم عليكِ،
علت وجهها ملامح الاندهاش التي سرعان ما تبدلت إلى ابتسام ومودة؛ ما إن التقت عيناها بعيني ابنتي الممتلئة فضولا ممتزجة ببراءة يصعب مقاومتها.
ولكم أن تتخيلوا كم كانت فرحة ابنتي عندما احتضنتها العروس وقبلتها، وسمحت لها بلمس ذيل ثوبها الطويل.
في هذه الليلة ظلت ابنتي كعصفور يغرد؛ تتحدث بكل حماس وسعادة عن العروس، وما فعلته معها بلا توقف حتى نامت.
والغريب أنه منذ تلك الليلة تلاشت رهبتي من التواجد بين الناس، وخوفي من الغرباء!
تمت

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: