مقالات

اكتب جروحك على التراب

بقلم / سهام سمير
كان صيف أحد الأعوام، ما ان وصلنا الإسكندرية حتى داعبتنا رائحة البحر، وأثارت فينا الحماسة للذهاب إليه فور الوصول.
معنا أدوات اللعب على الشاطيء، وملابس السباحة، لكني لن أسبح اليوم سأكتفي ببناء قلعتي، وسأدعو رامي ليبنيها معي، صديق الطفولة، ورفيق السفر، وابن جيراننا الذين نسافر معهم كل عام.
……
أردت بناء القلعة وأراد السباحة مع باقي الشلة، لم أضغط عليه، يهمني أن يكون مرتاحا، ولن أفتعل شجارات من أول الأسبوع، وهي أياما معدودات.
شرعتٌ في العمل، انهمكت، وسرحت عن صوت الأمواج ورائحة البحر ولهو الصبية.
مر اليوم دون أن أشعر بجوع ولا فضول لأراقب رامي والصبية، استمتعت ببناء كل تفصيلة، هنا المطبخ، وبجواره غرفة السفرة، استقبل فيها عائلة رامي حين يزورونا يوم الجمعة، كما نشاهد خالتي سعاد جارتنا التي تستقبل أولادها وزوجاتهم وأحفادها.
غرفة النوم سيكون لونها أسود، أعرف أنه لون قاتم ولا أحد يريد أن ينام في غرفة أثاثها أسود، لكن لونه مختلف ومميز كقصة حبي.
هنا الصالون، وهنا ركن للقراءة وأخر لمشاهدة التليفزيون.
استعملت ذرات الرمل وخلطتها بالقليل من الماء لأصنع وجبة فطور شهية.
الطعمية أيقونة الفطور عندنا، وبعض الفول وجبن وعصير، أشعر أن سامي يحب شرب القهوة.
جاء الغروب سريعا، خرج الفتية من الماء، جوعى وكانوا مسرعين للحاق بوجبة الغداء، تفاديت أرجلهم بصعوبة، كنت أحيط قلعتي حتى لا تقط تحت أقدامهم.
لم يتبق غير رامي، يمشي بطء وهدوء كعادته، لا يتنافس على وجبة ولا يجري كالصبية ولا يدخل في ألعابهم الشقية.
اتجه نحوي، والتقت أعيننا للحظات، كنت حررت القلعة من يدي، ووقفت للسير معه للبيت، حين داهمت قدم قلعتي، لتسويها بالتراب وتأتي موجة فتمسح كل الغرف، وتغرقها كما فعلت في تايتنيك العملاقة العصية على الغرق فجاءتها الصدمة من حيث لم تحسب حسابها.
جاءت قلعتي الصدمة أيضا من مأمني، من أقرب المقربين ومن بنيت له ومعه ونيابة عنه البيت المأمول، قدم رامي الذي كان يعلم تمام العلم ما أكنه له وما أسررت بين جدران القلعة الحصينة، والتي لم أعرف قبل هذه اللحظة كم كانت قدمه دقيقة في إصابة الهدف، وأنه لم يتركني حتى لأحلم، هدمه بضربة واحدة وللأبد.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: