القاهرية
العالم بين يديك
Index Banner – 300×600

شبح حبيبتي

104

كتب/ حمادة توفيق
مرَّ عامٌ كاملٌ على وَفاتِها مُحترقةً، عامٌ كاملٌ على انتحارِها، عامٌ بالتمامِ والكمالِ، بيدَ أنَّ الحالَ هو الحالُ.
أستيقظُ قربَ الفجرِ على صوتِ نشيجها المتصلِ ونحيبها المؤلمِ، أقومُ فزعًا فإذا هي ماثلةٌ أمامي سوداءَ متفحمةً، عيناها حمراوانِ تشتعلانِ نارًا، شَعرُها مبعثرٌ، كلُّ شعرةٍ في اتجاهٍ.
أرمقها وجلًا مُرتاعًا، يصرخُ داخلي خوفٌ لو سَمِعَهُ جبلٌ لرأيته خاشعًا متصدعًا.
– سلامً قولًا من ربٍ رحيمٍ.
تقولُ: أريدكَ، حالتْ بيني وبينكَ صروفُ الدَّهرِ، لكن يبقى الأملُ فى الموتِ، فلعله يجمعنا فلا نفترقُ، هلمَّّ معي، لا تَتَرَدّد، قمْ!
أَطرُقُ متفكرًا وقد تَمَكَّنَ مني خوفٌ لا حدودَ له، وأمسكَ بتلابيبي وجعٌ لا يُطاقُ، وألمٌ لا يُحتمَلُ.
أُهِمْهمُ بالأذكارِ عساها تُنجيني من قبضتها، فأُفيقُ على ضحكها، ثم على بكائها، ثم على صوتِ قدميها تجرُّهما جَرًّا، ثم تختفي مُجَدَّدًا، فأستلقي على سريري، يداعبُ أجفاني نومٌ حَذِرٌ، ويسكنُ قلبي بعد خَوفِهِ وفَزَعهِ رويدًا رويدًا، تذهبُ عينايَ في سُباتٍ عميقٍ، فَأَغُطُّ في النومِ تارةً أخرى، فأستيقظُ وأَصَابِعُها تداعبُ شعري، أفتحُ عينيَّ فإذا هي نائمةٌ بجواري متفحمةً وعيناها حمراوانِ تشتعلان نارًا، أقومُ فَزِعًا، فأضيءُ الأنوارَ، وأرتدي ملابسي، وأخرجُ هائمًا على وجهي، لا أعرفُ أين أذهب؟
ليتني ما أحببتها، ليتني ما عرفتها، كانت تعشقني حتى الثُّمالةِ، فكيف تفعل فيَّ تلك الأفاعيلَ؟ لم أطلبْ منها الانتحارَ، هي التي انتحرتْ هربًا من قبضةِ أبيها الجَشِعِ، فالرجلُ كان ينتوي تزويجها لرجلٍ في مثلِ عمرهِ، رجلٍ في الستينِ، فقط لأنه ثريٌّ عظيمُ اليَسَارِ.
ولما بلغَُ السيل الزُّبى، ولم يعد في جعبةِ الصبرِ منزعٌ، أشعلتْ في نفسها النارَ، فلم يُكْتَبْ لها النجاةُ، وماتتْ متفحمةً!
تُطاردني في جوفِ الليلِ إذا مسَّ بيدهِ العريضةِ الورى، وخَيَّمتْ عليهم سحاباته، ألوذُ بالأذكارِ فتختفي دقائقَ، ثم سرعانَ ما تعاودُ الكَرَّةَ، وهكذا دواليك.
وبعد تفكيرٍ مريرٍ قررتُ أن أضعَ حَدًّا لمأساتي، سأذهبُ إليها، سأنتحرُ.
أشعلتُ عودَ الثقابِ والفجرُ على وشكِ البزوغِ، وقبل أن أفعلها بلحظاتٍ سمعتُ صرخةً مدويةً ارتَجَّتْ لها الأرضُ، وتَمَكَّنَ مني بسببها فزعٌ بالغٌ.
خرجتُ فإذا بابُ الشقةِ مفتوحٌ، وإذا الدخانُ يملأُ المكانَ بأسرِهِ، وإذا على الأرضِ قربَ البابِ ورقةٌ.
ذهبتُ وجلًا فتناولتها، فإذا فيها:
– لا تفعلها، أرجوك، لن أطاردك مجددًا، لكن أرجوك لا تنتحر، عش الحياةَ واستمتع بها، أما أنا فلا تخشاني، سأبتعدُ عنك للأبد، وسأمكثُ مع الموتى أمثالي مكوثًا أبديًّا سرمديًّا، ولن أُنَغِّصَ عليك عيشك، لقد عرفتُ مصيري، أما أنت فأرجوك حافظ على حياتك، لا تحرقني مرتينِ.
خرجتُ أبحثُ عنها فلم أرَ أحدًا، فجلستُ على الأرضِ أبكي بكاءًا حارًّا.
ثم قمتُ فأغلقتُ البابَ، فإذا هو مكتوبٌ عليه:
الرحمةُ لمن رحلَ والسلامُ للباقينَ على قيدِ الحياةِ.

قد يعجبك ايضا
تعليقات