القاهرية
العالم بين يديك
Index Banner – 300×600

برشامة غلة

104

كتب/ حمادة توفيق
سارَ مع المشيعينَ مطرقاً رأسه مثقلاً بالوجع، لا يُصدقُ أنها ماتتْ وأنه يسيرُ الآن في جنازتها، ومن كان يتخيلُ أنَّ كلَّ هذا سيقعُ، ما جالَ هذا بخاطره أبداً ولم يخطر له يوماً على بال، يحبها، فيستحيلُ حبهما إلى عشقٍ، فيصطدمانِ بصخرةِ الواقعِ المريرِ، فيكابدانِ تباريحَ الحبِّ وعولتهِ، فتتكالبُ عليهما صروفُ الليالي، فينقضُّ بناؤهما الشاهقُ، فينهارُ، وفي الأخير ها هي تموتُ، ومنتحرة؟ ياللفجيعة!
إن كان ما هو فيه مستغرباً ولم يخطر له ببالٍ فانتحارُ حبيبتهِ لم يكنْ في الحسبانِ، بل فاقَ حدودَ الخيالِ، ومن كان يتخيلُ أو يتصورُ؟ وردة، ياللاسم!
– لكل حيٍّ من اسمهِ نصيبٌ.
هكذا كانتْ تقولُ في كلِّ مرةٍ يتطلعُ إلى عينيها النجلاوينِ الساحرتينِ دَهِشِاً لفرطِ جمالهما وروعةِ حسنهما، فيصيحُ:
– أنتِ اسمٌ على مُسَمى.
فترد بسابق ردها وقلبها يحلق فرحاً وحبوراً.
وردة، ياللقهر!
يذكرُ أنه تقدمَ لها طالباً يدها كما يفعلُ كلُّ محبٍّ راغبٍ في الوصالِ، وما أن رآه والدها حتى استشاطَ غضباً:
– بلغت جرأتك ووقاحتك أن تأتي إلى هنا بقدميك.
– أنا أدخل البيوت من أبوابها.
– ألم يخبرك أخوها أنها مخطوبة.
– بل مُباعة لرجل في عمر أبيها.
– لكنه ثريٌّ موسرٌ وسيوفرُ لها الحياةَ الرغدةَ التي تتمناها أيُّ فتاةٍ.
– المالُ ليس كلَّ شيءٍ يا عمُّ.
– هذا ما يتعللُ به الحمقى أو يتشبثُ به الجوعى أو يتمسكُ به المعدمونَ ومن لا حيلةَ لهم.
– يا عمُّ لو كانتْ السعادةُ في المالِ لكانَ قارونُ أسعدَ الناسِ، يا عمُّ للسعادةِ معاييرٌ أخرى، لعلَّ أحدها أن تعيشَ مع من تحبُّ، وأنا أحبها وهي تحبني.
– وردة بريئة وصغيرة ولا تعرف أين تكمن المصلحة.
– هذا مربط الفرس، المصلحة، للأسف مفاهيم الزواج عندك مغلوطة.
– الزم أدبك.
– لله الأمر.
يومها خرجَ كاسفَ البالِ مكسورَ الخاطرِ، ولما نزلَ الشارعَ رفعَ إلى شرفتها عينينِ باكيتينِ، فبادلته هي بدموعٍ تنهمرُ كالسحبِ المواطرِ.
تنهدَ ثم جدَّ في سيره ليلحقَ بنعشها لعله يتمكنُ من حمله، هنا في قانونِ القريةِ لا يحملُ نعشَ المُتوفّى إلا خاصته، بيد أنه سيخالفُ القانونَ ويحملُ نعشها، ثمةَ كلماتٌ يريدُ أن يهمسَ لها بها، ألم يقولوا أن الميتَ يسمعُ دبيبَ النملةِ، فليهمسْ لها إذن بما يجولُ في خاطرهِ، وليكنٍ آخرَ المتحدثينَ إليها، ليهمسْ لها بما قد يخمدُ أوارها ويطيبُ مرقدها ويجبرُ بخاطرها الذي انكسرَ كما لم ينكسرْ خاطرٌ من قبل.
هرعَ يغذي الخطوَ الخطوَ حتى لحقَ بنعشها، كان أسفله أبوها وأخوها وشابان لم يتبينهما، مد يده يبتغي حمله فجدحه أخوها بنظرةِ غضبٍ لو كانت ناراً لأحرقته، ونظرَ إليه أبوها شذراً، لكنّ الحزنَ الجاثمَ على القلوبِ والصدورِ لم يتركْ لهما فرصةً لمنعه ولا متسعاً للحيلولةِ بينه وبين ما رامَ.
فلما تمكن من نعشها تشبثَ به أيَّما تشبثٍ، فخلى الشابُّ الذي يحمله بينه وبينه، خالها أمامه تضحكُ ضحكتها العذبةَ الرقراقةَ فيستنيرُ وجهها كأنه صفحةُ كتابٍ بيضاءُ، ترقرقتْ الدموعُ من عينيه وشهقَ شهيقاً مُرَّاً.
– طاب المرقد يا وردة.
رمقه أبوها وفي عينيهِ عبراتٌ مشوباتٌ بانكسارٍ جمٍّ ووجعٍ لا يُطاق، هز رأسه أسفاً ثم عاد ينظر أمامه وقد خاف أن تزلَّ قدمه.
– لن يفرق بيننا الموت يا وردة كما فرقت بيننا الحياة، أنا على العهد حتى نلتقي في عالم أفضل وأجمل، فقري عيناً، وارقدي آمنةً لا يُقضُّ لك مضجعٌ، سيبقى حبنا حياً في بستانِ الحياةِ، سأسقيه كل يوم بدموع الفقدان، وأرويه من الآهات حتى يكبر، وسيكبر رغم أنف الكارهين، سيترعرع ويشتد عوده متحدياً صروفَ الليالي وريبَ المنونِ، في الحبِّ حياةٌ يا وردة وأنا أحبك، وإلى الله المشتكى.
مد أنامله يمسح دموعاً تترقرقُ، بينما من خلفه وضمنَ المشيعينَ شخصان يتهامسان:
– وكيف انتحرت؟
– ببرشامة غلة.
هز رأسه أسفاً، ما كان يتصورُ أن تستقرَّ برشامةُ الغلةِ في جسدِ وردةٍ حلوةٍ كحبيبته، كانت سرَّ قوتهِ ومصدرَ فرحتهِ وحلمَ حياتهِ، بينما غيرَ بعيدٍ وقفت تنوحُ حمامةٌ على أيكةٍ وارفةِ الأفنانِ لم تزده إلا ألماً.

قد يعجبك ايضا
تعليقات