ديني

وقفةٌ تأملية في رحابٍ يوسوفية

بقلم- مودّة ناصر

أُحبُّ “سورةَ يوسف” ونبيَّ اللهِ يعقوب عليه وعلى جميع الرُسلِ السلام. أحبُّ اليقين والثقة اللتلان أضاءتا قلبَ سيدنا يعقوب وقولهِ “فصبرٌ جميلٌ واللهُ المُستعانُ على ما تَصِفون”. فمضى على أثرهما ينتظرُ يُوسفَ حتى جاءهُ النذيرُ فارتدَّ بصيرًا.

لم يَمنعهُ صبرُه ويقينه -عليهِ السلام- مِن الحزن إذ “وابْيَضَّت عيناهُ مِن الحُزنِ فهو كَظيم”، بكى نبيُّ اللهِ وآلمَهُ الفقد ولم يتنافى ذلك مع يقينه في الله وإيمانهِ بحكمتِه التي لم يُحط بها عِلمًا.
لجأ إلى اللهِ تعالى لأنهُ الرحيم والعليم. رحمتهُ قادرةٌ -وحدها- على استيعابِ حزننا واحتوائه. احترمَ حزَنهُ واختلى به في كنَفِ الله إذ “قالَ إنما أشكوا بثّي وحُزني إلى اللهِ وأعلمُ مِن اللهِ ما لا تعلمون”

كان أبًا جميلاً يُحبُّ أولاده ويخشى عليهمُ إذ قال “يـٰبنيَّ لا تدخلوا مِن بابٍ واحدٍ وادخلوا مِن أبوابٍ مُتفرقةٍ وما أُغنِي عنكم مِن اللهِ مِن شيء”، قَبِلهم بأخطائهم وذنوبهم واستَغفرَ لهم، “قال سَوفَ استغفرُ لكم ربيّ إنَهُ هوَ الغفورُ الرحيم”.

أما يوسفَ عليهِ السلام، فأحبُّ ما أوحى به اللهُ إلينا في قَصصهِ، مِن تَحسُّسِ الضَّعفِ الإنسانيِّ والالتجاءِ إلى الله أن يعصمنا مِن الفتِن ظاهرِها وباطنها إذ “قالَ ربِّ السِجنُ أحبُّ إليّ مما يدعونني إليه وإلا تصرف عنّي كيدهنَّ أصبُ إليهنَّ وأكن مِن الجاهلين”، اتهيّبُ مِن كونِ ” إن النفسَ لأمارةٌ بالسوءِ إلا ما رحِمَ ربي إن ربي غفورٌ رحيم”، كوننا ضِعاف، فنعلمُ قدر أنفسنا فلا نودي بها إلى ما يفتنُها.

أحبُّ حِكمةَ اللهِ التي جَرت بها المقادير، مِن سجنِ يوسف ظُلمًا إلى نُصرة الله له على لسانِ امرأة العزيزِ التي راودتهُ عن نفسِه.
أن يُمكنّ اللهُ له في الأرضِ يتبوأ منها حيثُ يشاء، فيغدو مِن سجينٍ إلى رقيبٍ على خزائن الأرض.

أن يُرينا الله طبيعتنا التي تهزِمنا أحيانًا في حُسنِ التوكلِ عليه حينما ” قال للذي ظَنَّ أنهُ ناجٍ منهما اذكرني عِند ربِك فأنساهُ الشيطـٰنُ ذِكر ربه فلبث في السِجن بضع سنين”

أحبُ تأدُبَ يوسف مع إخوانه رغم علمِه بحقدهم له حينما قال تعالى “قالوا إن يسرق فقد سَرق أخٌ له مِن قبل فأسرها يوسفُ في نفسِه ولم يُبدها لهم”

أما الذي يُريح قلبي ويسَكنُ روعي للأقدار، أن تنتهي (خيرُ القصصِ ) بتحقيق الحُلمِ الذي بدأت به “وقال يا أبتِ هذا تأويلُ رءيـٰي من قبل قد جعلها ربي حقًا”

سورةُ يوسف خيرُ القصص وآخر آياتها تقول “لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ”
صدق اللهُ العظيم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: