الادب

ماض لم يمض ِ البكاء دون بكاء

بقلم د_ نرجس عمران

دوما وفي كل الأوقات يخترق إنشغالاتي اليومية رنين مفاجىء إنه هاتف زوجي العزيز يريد أن يطمئن علينا جميعا وهل مازلنا بخير ؟وعلى أخي الغائب هل عادأم لا؟
هل اتصل أم لا؟هل سمعنا خبرا عنه أم لا ؟وعن صهرنا وابن العم المحاصر هل عاد هو أيضا أم لا؟
وعن أبي القلق جدا إلى حدّ المرض هل أصبح جيدا أم لا؟ وعن أمي المقهورة هل تغلبت على حزنها أم هو الذي تغلب عليها؟ وعن..
أحس حقا أنني في حيّرة من أمري هل أخبره الحقيقة مجددا ؟رغم أني لطالما فعلت وأخبرته
لكنه لايسأم السؤال ويعيده مجددا،أناحقا تعبت من إيقاظ مواجعي التي لاتنام رغم جهدي الدائم فأنا في كل لحظة أهدهدها لتنام لو هنيهةً
ألم أخبرك بأني أخي ربمااستشهد؟ربما هو الأن أسيرمهان مقهور مذلول ،ربماتناوله في وجباتهم وربما أطعموه لأصدقائه،ربما جعلوه رديئة لرصاصهم فأية بندقية لديهم تحرز فيه إصابات أعمق ياترى ؟
ربمادهسوارأسه تحت أحذيتهم،أوجعلوا أطفالهم يجاهدون بذبح عنقه أم ربما هو الأن يحفرالأنفاق كشبح يأكل ما يجد في طريقه ،ربما يجلدونه ربما يركلونه ربما يرسمون بسكاكينهم على جلده خريطة من إيمانهم وربما..وذنبه الوحيد هو الوطن .
ألم أخبرك أن صهري أفضل حالا من أخي؟لأنه استشهد وبذات الذنب وترك أختي شهيدة على قيد الحياة
وأن أبي مات ضحية القهرفلقد استشهد بحزنه على وطن
قطع قطعامن روحه وقدمها له هنا وهناك ح أصبحت القطعة المتبقبة له منها غير كافية لأي غبن أوكدر بل غير كافية لتبقى حية يوم أخر .وأن أمي وهي الأضعف على الإطلاق أبدا لم تغلب الحزن فهو يعشعش حتى في منافسها ورائحته عالقة على كل كلماتها وحتى ابتسامتها المتطفلة على ملامح متجمدة تجنزر فيها البؤس والشقاء ولكنها تسلحت بحدس الأمومة الذي جعلها تؤجل الموت حتى إشعار أخر .ألم أخبرك أيضا أنك حتى أنت يازوجي العزيز قد استشهدتَ مثلهم ؟وبذات التهمة الشريفة وهي الوطن، وها أناأخبرك وهاأنت تتصل مجددا ،الأن الأن أسمعك تتصل
فلماذا تعيدسؤالك مجددا؟ لماذاتعجبك إثارة الأوجاع وفوضى السكينة؟ لماذا لاتدعني وشأني؟لقد أرهقت الدموع بأم عيني حتى صرت أبكي من دونها ،أبكي في وحدتي ومن دون وحدة ،وأبكي في فراغي وفي إنشغالي أبكي حتى من دون غضب من دون موت من دون فاجعة أبكي بدون سبب لكثرة الأسباب ،أبكي لأني صرت البكاء ذاته
كثيرا ما تخبرني ضحكتي أنها تألمت بسبب البكاء الذي كان مصاحبا لها،وحتى ابتسامتي تخبرني بأن عمرها أصبح قصيرجدا ،ماعادتْ شفاهي تروقها لأن البكاء أيضا الذي استوطن مكانها جعلها غريبة فيه وأبعاده ضيقة جدا عليها
أعرف حقاوألتمس لك ألف ألف عذر أيها العزيز أنك قلق وتريد أن تطمئن
فهلأ لمست لي عذرا بأني إنسان أيضا يحتاج أن يعيش بلا بكاء لمرة واحدة ،فالبكاء الذي تبكيه أرواحنا أشد قتلا من بكاء العيون
دع روحي لشأنها أيها العزيز وأعلمُ أنك لن تفعل ، وحتى إن أنت تركتهافهي سوف لن تدعك وشأنك.
ولن تدعكم جميعكم وشأنكم رغم أنها لاترتاح معكم ولا ترتاح معي فما الذي دهاها هذه الروح ؟كم ترجيتُها المغادرة لكنها أيضا لا تفعل .فهلا أخبرتني بدلا من سؤالك المعند هذا شيئا مفيدا كي أنهي حالة البكاء في روحي، مجرد الحياة للحظة وأنت تكابر على وجعك وتخفي شوقا وحنينا وتواكب حياتك لتنهي أعباءك فأنت بطل إلاأن بعض البطولة باتت ثقيلة على كاهل امرأة وحيدة في عصر النفاق .
_في كل مرة أخبرك ويعود هاتفك ليرن ،في كل لحظة يرن حتى أني سئمت الهواتف ومن اخترع الهواتف .
أصبح رنينهاملازما لمسمعي ،أصم عنه أذني لكن عبثا أفعل لأن صداه يكسر الصدغين في رأسي ليدوي مجددا
هذه الهواتف التي تذبحني ،ألهذا اختُرعتْ ؟
اخترعت لنذبح بها ماتبقى لنا من حياة ؟
هواتف؟! وأية هواتف ؟! وعندمااحتجتُ أن أستخدمه لم يلبيني ،وذلك عندما اتصلت لأطمئن عليك يا زوجي العزيز
فلقد أخبروني أنك مصاب
إتصلت وإتصلت وإتصلت ،ولم يقل هذا الهاتف حرام .
ولم يسمعني صوتك لحظة ، فعاندته أكثرواتصلت مجددا واتصلت.حتى أصبح الوقت متأخراجدا ومع ذلك لم يشفق علّي لم يرأف بحالي
فقط كنت أريد أن أطمئن أنك بخير وجرحك صغير ونزيفك ليس بالصعب ،وبصراحة أكبركنت أريد أن أقول لك ماقلته في نفسي لحظة سمعت بخبر مصابك وفرحت أجل فرحتٌ
لقد قلت الحمد لله أنك قدأصبت ْ
الأن بوسعك أن تأتي وتبقى لفترة أطول وتدخل المستشفى فلا تعود إلى حيث أنت ،ستصبح قريب مني فأرتاح من الهم والقلق والخوف عليك اللذان يكلأن روحي وأنت بعيدفي كل لحظة.لقدكنت أعيش موتك فأبكيك بحرقة قبل أن تموت ،الأن أصبح لدي أمل أن تصبح قريبا وأرتاح أنا من عبء موت قبل أوانه. لكن للأسف هذا الهاتف لم يحن عليّ لم يشفق على يدي التي أنهكته وربماكان الله حينها يلبي دعوة أخريات غيري لذلك تأخر عن تلبية دعوتي بأن أحدثك لوثانية .وأخيرا رن هاتفك مع إشراقة شمس صباح اليوم التالي ، أجل لقد رن ،سررتُ جدا حقا الأجهزة تحس بنا وهاتفي أحس بي إنه يرن ،إنه دورك ياعزيزي أجبني هيا ..لمالاتفعل؟!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: