الادب

بدمٍ باردٍ

بقلم _ حمادة توفيق

كانتْ أنسامُ الفجرِ تُداعبُ وجنةَ الليلِ عندما أطرقَ البابَ، أيقظتْ طرقاته البيتَ من سُباتٍ كان مخيماً عليه وعلى من فيه، استيقظَ أبوه وقد استشاطَ غضباً، واستيقظت إلى جواره أمه تهدئُ من روعه، وتستسمحه ألا يمسَّهُ بسوءٍ.
فتحَ أبوه البابَ فأمطرهُ بوابلٍ من الشتائمِ لم يسمع منها شيئاً، فلقد كان يضعُ (الهاندفري) بطرفيه في أذنيه الاثنتين، مستمعاً إلى إحدى أغاني (المهرجانات) الشبابية الصاخبة.
تقدّمَ خطوةً غير مكترثٍ بثورةِ أبيه ليدخلََ، بينما دفعه أبوهُ إلى الخارجِ ليحولَ بينه وبين الدخولِ، منتوياً طرده كما فعلَ من يومينِ، لكنهُ وعلى غيرِ العادةِ تجرأ وبسطَ يده ممسكاً بطرفِ البابِ ومتحدياً أباهُ، ثم دفعهَ بقوةٍ فتقهقرَ أبوه إلى الخلفِ.
كانت أغنيةُ (المهرجان) قد انتهتْ وبدأَتْ أخرى، بينما اندفعَ هو إلى المطبخِ فتناول سكيناً وخرجَ.
رمقهَ أبوه دهِشاً، ورمته أمه بنظرةٍ كنظرةِ أبيه، اقتربَ وصوتُ (المهرجان) في أذنيه يحولُ بينه وبين سماعِ الكلماتِ النابيةِ التي يُطلقها أبوه على أسماعه، رفعَ السكينَ عالياً ثم نزلَ به إلى صدر أبيه، فتناثرتْ الدماءُ وتطايرتْ حتى أصابتْ وجهَ الأمِّ الواقفةِ غيرَ بعيدٍ، ثم سرعانَ ما سقطَ أبوهُ مضرجاً في دمائه.
صَكَّتْ الأمُّ وجهها وشقتْ جيبها وطفقتْ تصيحُ كالثكلى، فألقى السكينَ من يده فجأةً، ثم خرجَ من البابِ مبتسماً يهتزًُ مع صوتِ (المهرجان) يمنةً ويسرةً.
جلستْ أمه في ذهولٍ تنظرُ إلى جثةِ زوجها الغارقِ في الدماءِ، ثم سقطت مغشياً عليها، بينما كان هو يتسكّعُ في أحدِ الشوراعِ القريبةِ بعينينِ باسمتينِ وقلبٍ منشرحٍ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى