بقلم د / هاني المصري
1 ) البعد الاستراتيجي: هاجس الأمن الوجودي
منذ تأسيسها، تنظر إسرائيل إلى أي حشد عسكري قريب من حدودها، سواء كان عدائيًا أو دفاعيًا، باعتباره تهديدًا وجوديًا محتملاً. هذه الرؤية تستند إلى خلفية تاريخية شهدت فيها إسرائيل حروبًا مع دول عربية مجاورة، وكان للجيش المصري دور بارز فيها. بناءً على ذلك، فإن وجود قوات مصرية بأعداد كبيرة على الحدود مع غزة يثير لدى إسرائيل عدة مخاوف استراتيجية:
– احتمالية فتح جبهة غير متوقعة : رغم العلاقات الرسمية بين إسرائيل ومصر، فإن تل أبيب تخشى أن يؤدي التصعيد في غزة إلى تدهور العلاقات لدرجة تؤدي إلى اشتباك عسكري مباشر.
– كسر الهيمنة الإسرائيلية على معادلة الردع : إذا شعرت إسرائيل أن مصر مستعدة عسكريًا للدفاع عن غزة أو منع أي تغيير ديموغرافي فيها، فقد تفقد إسرائيل قدرتها على تنفيذ عمليات موسعة دون حساب عواقب إقليمية.
– تقويض التفوق الإسرائيلي : تعتمد إسرائيل على تفوقها العسكري الساحق في المنطقة. لكن وجود قوة عسكرية كبيرة على حدودها، خاصة إذا كانت مجهزة بأسلحة متطورة، يعيد حسابات التوازن العسكري ويشكل تحديًا لمفهوم الأمن الإسرائيلي.
2. المخاوف من تغيّر العقيدة العسكرية المصرية
رغم أن مصر تلتزم بمعاهدة السلام، فإن إسرائيل تراقب عن كثب تطور العقيدة العسكرية المصرية، خاصةً بعد التحديثات الكبيرة التي شهدها الجيش المصري في السنوات الأخيرة. بعض النقاط التي تقلق إسرائيل في هذا السياق تشمل:
– زيادة الإنفاق العسكري المصري : ترى إسرائيل أن مصر استثمرت بشكل كبير في قدراتها الجوية والدفاعية والهجومية، مما يجعل جيشها أكثر قدرة على فرض أمر واقع عسكري عند الحاجة.
– التمارين والتدريبات العسكرية : المناورات المصرية المتكررة التي تحاكي سيناريوهات دفاعية أو هجومية بالقرب من الحدود، قد تُقرأ في إسرائيل على أنها استعداد لتغيير قواعد اللعبة إذا تطلب الأمر ذلك.
– التحالفات الإقليمية لمصر : إذا زادت مصر من تعاونها العسكري مع دول مثل تركيا أو إيران أو حتى بعض الفصائل الفلسطينية، فقد تعتبر إسرائيل ذلك تهديدًا مزدوجًا يجمع بين القوات النظامية والمليشيات غير النظامية.
3 ) التأثير على الخطط الإسرائيلية في غزة وسيناء
إسرائيل لديها أهداف واضحة في قطاع غزة، أبرزها:
– تحجيم دور حماس والفصائل الفلسطينية.
– منع أي دعم خارجي يصل إلى المقاومة.
– فرض سيطرة أمنية على المعابر، خاصةً معبر رفح.
لكن مع وجود قوات مصرية قوية على الحدود، تصبح إسرائيل مقيدة في بعض استراتيجياتها العسكرية، حيث:
– لا تستطيع تنفيذ عمليات توغل في رفح بسهولة دون مواجهة رد فعل مصري دبلوماسي أو عسكري.
– تفقد خيار التهجير القسري للفلسطينيين إلى سيناء ، وهو أمر تخشاه مصر وتتصدى له بكل الوسائل.
– تتعقد أي محاولة لفرض منطقة أمنية عازلة داخل قطاع غزة ، لأن أي تحرك من هذا النوع قد يدفع مصر إلى التدخل.
4 ) السيناريوهات الإسرائيلية المحتملة لمواجهة هذا التهديد
إذا رأت إسرائيل أن الحشود العسكرية المصرية تشكل تهديدًا مباشرًا، فقد تتبع عدة استراتيجيات لمواجهة ذلك، منها:
1- الضغط الدبلوماسي : عبر واشنطن أو أوروبا للحد من الانتشار العسكري المصري أو تقليصه.
2. تعزيز وجودها العسكري في النقب وسيناء : تحسبًا لأي تصعيد محتمل.
3- إعادة تقييم اتفاقية كامب ديفيد : من خلال مطالبة مصر بسحب قواتها أو تقييد تحركاتها.
4- اللجوء إلى التصعيد الإعلامي : من خلال تصوير مصر كجهة تهدد “الاستقرار” في المنطقة، بهدف كسب دعم دولي.
وختاماً
إسرائيل لا تنظر إلى الحشود العسكرية المصرية كخطر مباشر بالضرورة، لكنها ترى أنها قد تتحول إلى تهديد وجودي إذا تزامنت مع تصعيد كبير في غزة، أو إذا شعرت أن مصر تتجه نحو سياسة أكثر عدائية تجاه إسرائيل. لذا، فإن التوتر الحالي يدفع إسرائيل إلى إعادة حساباتها والتعامل بحذر مع أي تحرك عسكري مصري في المنطقة.