رِثاءُ الطُّفُولةِ

بقلم/ حسن محمد
ها أنا أقفُ أمام الباب، أفتش -عن ذكرى للطفولة- في خانات الذكريات..
أي باب سأفتحه، أي ذكريات سأحكيها؟ لا أدري.
الذكرياتُ كثيرة والأبواب جميعها مُوصدة.
إن قلبيَّ مُتعبٌ من الصمتِ، وقلمي مشتاقٌ إلى البوحِ..
سأترك قلمي يحدثكم عن ذكرى وسط آلاف الذكريات، عن لحظة وسط ملايين اللحظات. أما عني، ساغدو إلى حُلم جميل، فهل ستأتون معي؟
* * *
يقف رجلٌ -أمام السريرِ- منحني الظهر، يرتدي عباية بيضاء، قد وضعت -على رأسه- قلنسوة ذهبية اللون، تتدلَّى السبحةُ من جيبه الأيمن، وتفوح منه رائحة المسكِ والعطرِ..
مجموعةُ من الأظرف -على يمينه- مبعثرة، وبيساره رِّزمةُ من الأوراق النقدية؛ ورقة ذو فئة العشرين، الخمسين، المئة والمائتين..
أسماء كُتبت بخط جميل مزخرف، في حين رتبت الأظرف -حيث السِّنِّ- من الأبناء إلى زيجات الأبناء ثم الحفيد الأكبر الى الأصغر، فالأصغر وأولاد الأحفاد.
-إلى الأستاذ/ة أو الآنسة أو حفيدي/حفيدتي:…
كل عامٍ والأسرة الكريمة بخير، أعاد الله علينا الأيام بالخيرات واليمن البركات..
(جدكم: حسن عبد السميع)
على جانبه طفلٌ، يرمقه في فضولٍ وخُبثٍ، يقف على أطراف أصابعه -خلف السرير- مُحاولًا لرؤية ظرفه، وكم سيكون نصيبه من «العِدّية»، وعلى كل حالٍ هو بعيدٌ عن الورقة ذي المئة والمائتين؛ فنصيبه يترنح ما بين العشرين والخمسين..
ينظر إليه الجدُّ بعينين نصف مفتوحتين مبتسمًا -وعالمًا بما يريده- في حين سمع صوتًا يُدوِّي من الخارج:
-«يا أبو علي تعالى شوف مين بيرن الجرس»
-«حاضر يا أم ثروت»
لم يخرج -هذا الفضولي- من الغرفة؛ فهو يريد أن يعرف كم وضع جده من المال؟ لو رأى ظرف «إسراء» أو «سارة» لعلم ما قد وُضع له، لأنهم في نفس السن؛ لذلك هم نفس المبلغ، فليس هناك تفرقة بينهم..
تحرك إلى الأظرف ماشيًا في حذرٍ، يبحث عن اسمه وسط تلك الأظرف العديدة إلى أن وجدَ ظرفه، ثم شرع يفتحه في حين دخل عليه جِدُّهُ، فقال:
-«بتعمل إيه ياولا؟!»
-«عايز أشوف ظرفي ياجدو»
-«اصبر بكرا وهتعرف، انهاردة لسه الوقفة»
-«لا عايز اعرف دلوقتي ومش هقول لسارة ولا إسراء»
ضحكَ ثم أمسكَ ظرفه بيده فأخرج ورقةَ نقديَّةَ لونها قِرمزي مميزة، وقد علم للتو أنها ورقةُ بخمسين؛ فابتسم وجري نحوه يحتضن ساقيه -في فرحٍ وسعادةٍ- بيدين صغيرتين.
شرعا يخرجان إلى الدهليز بعد أن رتب الأظرُفِ، فالغد عيد الفطر؛ جلسا -على الأريكة- يستعدان إلى صلاة الجمعة..
جلس يتابع جده وهو يحدق أمامه؛ حيث أمامهما تنام الحاجة «أم ثروت» على جانبها الأيسر، تستند برأسها على يد واحدة، فيناديها في حبٍ وغزلٍ:
-«أنتِ نايمة ياحااااچة(مُعطشًا للجيم)»
فترد ضاحكة:
-«مالك يا راااجل منا صاحية أهو!»
في حين يتابع ثالثهما، يحدث نفسه، متسائلاً في براءةٍ:
-«ليه جدو مشافش تيتا وهي صاحية؟ ااه ممكن عشان مش لابس النضارة!»
ضحك الحاج «حسن» -على ردها- ثم التفت إلى حفيده، بصوت يجهش بالبكاء، قائلاً:
«دي يتيمة وطيبة.. دي حبيبتنا وأُمنا»
لم يدرِ ما القصد من كلامه حينذاك؛ ولكنه أدرك الآن..
أدرك معنى الحب والوفاء، معنى الطيبة والإخلاص، هل ستعود تلك الأيام؟ لن تعود أبدًا.
-«واد يا حسن»
-«نعم ياتيتا»
-«تعالى أما ابوسك»
نزل بساق صغيرة، بركبة جريحة -من لعب الكورة- إلى جدته، يضع قُبلةً على يديها ووجنتيها، فتضحك وتضع هي الأخرى…
* * *
هل انتهيت يا قلمي، لمَ أنت بخيل؛ أريد المزيد لنحكي!؟
-قد انتهيت…
-لماذا يا أحمق؟
-ليس هناك حبرٌ؛ قد نفد.
-أجننتُ؟ أخبرتك أنَّ قلبيَّ حبركَ، وعقلي مُلهمكَ.
-قد انتهينا اليوم، وداعًا.
أثق فيكَ ياقلمي، وانتظر عودتك، يا قلمِ الطُّفولة لمَ تهرب مني؟
أودعك أنا الآخر، وأهرب منك..
كنت أتمنى أن أحكي عنكم أحياءً لا أموات -وعلى الرغم أن الموتَ آتٍ لا محالة- لكنكم مازالتم تسكنون بقلبي وتحيون بقلمي.. «فليس رِثاءُ عليهم فقط بل لطفولتي أيضًا»
يُتبع…

رئيس مجلس إدارة جريدة القاهرية

رِثاءُ الطُّفُولةِ
Comments (0)
Add Comment