القاهرية
العالم بين يديك

أنا مش من الزمن ده… لكني أفتقده

7

محمود سعيدبرغش
كبرنا في زمن كانت فيه القيم تُغرس في قلوبنا من خلال دراما راقية وشخصيات لا تُنسى. لم يكن التلفزيون مجرد شاشة تعرض قصصًا، بل كان نافذة تُطل بنا على معاني الأخلاق، الشهامة، الجدعنة، والاحترام. كنا نجلس أمامه لنرى “رفيع العزايزي” وهو يُعلمنا معنى الكرامة، و”البدري بدار” وهو يرسم لنا ملامح الصعيد الأصيل، و”رحيم المنشاوي” الذي جسد الصراع بين الخير والشر بنبل لا يُنسى.

في ذلك الزمن، لم يكن الأبطال مجرد شخصيات تُلقي الحوارات، بل كانوا رموزًا للقوة الحقيقية؛ القوة التي تأتي من الاحترام، والذكاء، والعمل الجاد، لا من العنف والانتقام والبلطجة. “عبد الغفور البرعي” لم يحتَج إلى القوة الجسدية ليُصبح أسطورة، بل اعتمد على الكفاح والطموح والصبر. “أبو العلا البشري” لم يكن صاخبًا ولا مُدّعيًا، لكنه كان صاحب مبدأ، يُقاوم الفساد بقوة الحق لا بقوة السلاح.

أما الآن؟ فالتلفزيون أصبح ساحة للخناقات والصوت العالي والصراخ المستمر، والدراما تملؤها مشاهد الانتقام والعنف والألفاظ الخارجة. الأبطال الجدد لا يُعلموننا معنى الصبر أو النجاح، بل يُروجون لفكرة أن الوصول للقمة لا يكون إلا بالمكائد والخداع والقوة المفرطة.

أين ذهبت البساطة والجمال؟ أين ذهب “بكار” ببراءته التي كنا نتعلم منها حب الوطن؟ أين “كلام من دهب” الذي كان يُشعل عقولنا بالمعرفة بدلًا من إثارة الغرائز؟ أين الأعمال التي كانت تُجمع الأسرة حولها دون خجل أو قلق؟

أنا لست من هذا الزمن الذي تُقاس فيه الرجولة بمدى العنف، وتُقاس فيه القيمة بعدد المشاهدات، وتُقاس فيه الشهرة بالفضائح والصوت العالي. أنا من زمن كانت فيه الدراما مرآة للأخلاق، وكانت الشخصيات تُشكل وجداننا بصدقها، وكانت المشاعر نقية، لا تحتاج إلى صراخ ليُدركها القلب.

قد يكون الزمن تغير، لكن القيم الحقيقية لا تموت. وما زلتُ أبحث بين ضوضاء اليوم عن ملامح ذلك الزمن الجميل، أبحث عن عمل يُعيد لنا تلك المشاعر، عن شخصية تُذكرني بأن الخير لم يختفِ تمامًا، عن دراما تُعيد لنا المعنى الحقيقي للفن. فربما يكون هذا الزمن مختلفًا، لكن الحنين للزمن الجميل لا يزال حيًا فينا.

قد يعجبك ايضا
تعليقات