القاهرية
العالم بين يديك

الماضي السعيد

8

محمود سعيدبرغش
جلس “سالم” على كرسيه الخشبي القديم في شرفة منزله، يتأمل الطريق الممتد أمامه. كان المساء هادئًا، لكنه في داخله كان عاصفًا. منذ وفاة والده، لم يعد يشعر بشيء سوى الفراغ. كل شيء بدا له بلا معنى، حتى زوجته “نادية” وأولاده لم يعودوا يشعرونه بالدفء كما في السابق.

كان والده أكثر من مجرد أب، كان صديقه الوحيد، الشخص الذي يفهمه دون أن يتحدث. حين رحل، أخذ معه جزءًا من روحه، وتركه وسط عالم لا يبدو له مألوفًا بعد الآن. حتى البيت فقد دفئه، وأصبح مجرد جدران صامتة.

دخلت نادية إلى الشرفة، نظرت إليه للحظة ثم قالت بلهجة جافة:
— “إلى متى ستبقى على هذا الحال؟ الحياة لم تتوقف، ونحن هنا، معك.”

أشاح سالم وجهه عنها، لم يكن يريد سماع أي شيء. شعر أنها لا تفهم، وأنها لا ترى حزنه الحقيقي. أبناؤه، رغم أنهم كانوا قريبين منه سابقًا، أصبحوا يميلون إلى أمهم أكثر. ربما لأنها الأقوى، أو لأنها تجيد فرض رأيها على الجميع.

مرت الأيام، وسالم يزداد انعزالًا. أصبح الليل ملاذه، يجلس في الشرفة يدخن سيجارته التي لم تكن تنتهي، وكأنها رفيقه الوحيد في وحدته. ذات ليلة، بينما كان ينظر إلى السماء، تذكر كلمات والده:
— “الحزن ليس حلًا… كله بأمر الله.”

تأمل ماضيه الذي انتهى، ثم نظر إلى عائلته في الداخل. لأول مرة، رأى الأمور من زاوية أخرى. ربما لم يكن وحده تمامًا، وربما كان هو من يعزل نفسه.

أمسك بالمصحف الذي تركه بجواره، تأمله للحظات، ثم وضعه جانبًا ونهض ببطء. شعر أن عليه أن يخرج من هذا السجن الذي صنعه بنفسه. لكن بدلًا من العودة إلى عائلته، قرر الهروب بطريقة أخرى.

في اليوم التالي، ظهر مقهى جديد في الحي، سمع عنه كثيرًا. دخله وهو يبحث عن شيء يملأ هذا الفراغ، جلس في زاوية بعيدة، طلب الشيشة، وبدأ يشد أنفاسها ببطء. مع كل نفس، شعر وكأنه يهرب من واقعه، ينسى مشاكله، يطفئ نيران قلبه.

لكنه لم يدرك أن هذا الهروب لم يكن حلاً، بل كان مجرد دخان آخر يملأ الفراغ، لكنه لا يغيّر شيئًا. عندما عاد إلى البيت، وجد نفس الوحدة تنتظره، نفس العيون التي تنظر إليه، لكنه لم يعد يرى فيها الدفء الذي كان يهرب منه.

في تلك الليلة، جلس مجددًا في شرفته، ولكن هذه المرة بدون سيجارة، بدون شيشة. فقط هو والسماء. شعر أن الحل لم يكن في الهروب، بل في المواجهة. نظر إلى المصحف مرة أخرى، ثم أغلق عينيه، وأخذ نفسًا عميقًا. ربما كان عليه أن يبدأ من جديد، بطريقة مختلفة…

قد يعجبك ايضا
تعليقات