القاهرية
العالم بين يديك
Index Banner – 300×600

حافظ إبراهيم( 1871-1932) مولده، طبيعته.

66

كتبت/ سالي جابر

هو محمد حافظ بك ابن إبراهيم أفندي فهمي، وُلِدَ في القاهرة سنة 1871 وتعلم فيها، ويعلق الأستاذ أحمد أمين على ولادة حافظ على صفحة النيل بأنه” كان إرهاصًا وإيماءً طريفًا، إذ شاء القدر إلا بمولد شاعر النيل على صفحة النيل”
وكان أبوه إبراهيم فهمي مصريًا صميمًا، أما السيدة هانم بنت أحمد البورصة لي من أسرة تركية محافظة عريقة تسكن في حي المغربين، أحد الأحياء الشعبية القديمة مدينة القاهرة، وبذلك اجتمع في حافظ دمان؛ دم مصري صميم مستمد من والده ودم تركي طاهر من والدته، ومن مجموع خصائص كلا الدمين في نفس وتكوين حافظ فبرزت شخصية حافظ ومميزاته.
ولعل من أبرز الخصائص المصرية الواضحة في حافظ هي قوة احتماله للمكروه والسخرية المرة منه، وديمقراطيته الواضحة، وتواضعه للناس، ولعل جرأته التي لا تعرف الحدود في مواجهة السلطان دون أي تقدير للعواقب، وتضحياته بلقمة العيش والأمن وصلابته فيما يراه حقًا وعدلًا هي من الخصائص التركية فيه وإن شاركتها خصائصه المصرية أيضًا .
عاش حافظ في كنف أبيه سنوات، مات بعدها الوالد فتولى أمره وأمر الأسرة الصغيرة خاله محمد نيازي، وبلغ حافظ السن التي تبعث به إلى المدرسة وأدخله خاله أقرب مدرسة إلى منزله و كانت المدرسة الخيرية بالقلعة فتعلم فيها القراءة والكتابة وشيئًا من العربية والحساب والدين، والتقى حافظ في المدرسة الخيرية بالزعيم مصطفى كامل، ثم فرقت بينهما الأحداث حتى التقيا ثانية في الجهاد الوطني ضد الاستعمار.
ونقل خال حافظ إلى وظيفة مهندس تنظيم بطنطا، فكان لزامًا أن ينتقل معه حافظ، وبطبيعة الحال هو رجل تركي جاد يسعى وراء لقمة العيش، ورجل بهذه الحال أبعد ما يكون عن تقدير الظروف التي يمر بها الغلام.
ألحقه خاله بمدرسة ثانوية بطنطا وانصرف إلى عمله، وكان لا يرى في مدرسته إشباعًا لميوله التي وجدها في الجامع الأحمدي بطنطا حيث يتلقى دروسًا في علوم اللغة والفقه والشريعة واللغة وأدابها، ويشده الشعر بموسيقاه كل انتباهه ويملك عليه حواسه، وطبيعي أن يمل خاله من هذه الحال التي عليها ابن أخته، فكان حافظ في حالة توجب الملل فنظم بيتين يدلان على ما في نفسه من ألم عميق فقال:
ثقلـــت عـلـيـك مـؤونـتـي
إنــي أراهــــا واهــيــة
فـافـرح فـإنـي ذاهــب
مـتوجــه فـــي داهــية.
يذكر الأستاذ البخاري أنه في هذه الحالة كان كثيرًا ما يشكو الدهر، فمن ذلك قوله:
عجبت لعمري كيف مد فطالا
وما آثـرت فيه الهـمـوم زوالا
وللموت مالي قد أراه مباعدًا
وحيـل مرتدي إن أوسـد حـالا.
فالموت خير من حياة أرى بها
ذلـيـلا وكنـت السيد المفضـالا

ولعل حافظ رأى أنه طلق اللسان، حسن التأني إلى ما يريد وأن المحاماة تدر على صاحبها إذا نجح ما لا يدر عليه التعليم إذا نجح، ففضل أن يكون محاميًا ولكنه لا يستطيع أن يفتح مكتبًا، فاشتغلت بمكتب الشيمي وكان يسافر إلى المحاكم الجزئية ثم اختلف معه وترك له بيتين.
جراب حظي قد أفرغته طمعا
بباب أستاذنا الشيمي ولا عجبا
فـعــاد لي وهو مـمـلوء فقلـت له
مما؟ قال: من الخيـرات واحـربا.

وانتقل بين المكاتب ولكن لم تطمئن نفس حافظ إلى المحاماه ولم ينجح فيها، وساعده بعد ذلك زوج أخته الضابط المصري محمد هاني مهني أركان حرب بالجيش المصري للالتحاق بالمدرسة الحربية فوافق حافظ مُرحبًا حيث وجدها تكفل له وظيفة تدر له راتبًا شهريًا وفي الوقت نفسه يستطيع أن يشبع هوايته الأدبية كما يشتهي، وتخرج حافظ عام 1891 في المدرسة الحربية ضابطًا في الجيش ثم نقل إلى الشرطة ثم أعيد إلى الجيش وقدم في السودان ثم أحيل إلى الاستدعاء مرتين ثم طلب إحالته إلى المعاش 1903 وتبرم حافظ من عمله في السودان كما يدل على ذلك في شعره فقال:
ومـا أعـذرت حتى كـاد فعـلي
دمـا وسـادتـي وجـه الـتـراب
وحتى صيرتني الشمس عبدًا
صبيـغًا بعد مـا دبـغـت إهابـي
وحـتـى قلّم الإمـلاق ظـفـري
وحـتـى حـطـم المـقـدار نابي
مـتـى أنـا بـالـغ يا مصر أرضًا
أشـم بـتـربـتـها ريـح الـمـلاب .

وحدثت 1899 ثورة في الجيش المصري بالسودان، فأحيل ثمانية عشر ضابطًا إلى الاستدعاء وأبعدوا إلى مصر وكان من بينهم حافظ. وعاد إلى مصر ولا مورد له ولا عمل بعد أن استقال من الجيش وهو في الاستدعاء يئس من استمراره في خدمة جيش في قبضة عدو يضعه تحت المراقبة وينظر نظرة الريبة فيه والنقمة عليه.
ودخل حافظ في طور جديد من حياته كان أهم ما مر به من أطوار فقد شد شعره الوطني وسيرته كضابط حر جريء، وكان يتردد على مجالس الزعماء والأحرار وعلى رأسهم الشيخ محمد عبده، ومصطفى كامل، سعد باشا زغلول، وغيرهم؛ فأحبوه جميعًا ووجدوا فيه ذخيرة وطنية تستحق المراعاة، وفي شعره سلاحًا من أمضى الأسلحة التي يجب استخدامها في إلهاب الشعور الوطني.
وإذا كان الإنجليز أغلقوا في وجهه كل أبواب الرزق، فقد كان يأتيه المال غزيرًا من هنا وهناك وكان أحرى أن يحافظ عليه وينفق منه بحساب وكان ما يقصده قاصد إلا وأعطاه ما في جيبه بالغًا ما بلغ، وكان لا يترك أمرًا من الأمور ولا مناسبة وطنية إلا وضع فيها أقوى القصائد وأشدها حرارة. وبالرغم من الخصومات الحزبية التي حدثت في مصر ظل حافظ في مستواه العالي فوق الخصومات ولا يخضع لها ولا تخضع له، ولم يكن في صالح أي حزب من الأحزاب أن يتخذ موقفًا معاديًا لحافظ بل على العكس كان كل حزب يشعر بحق أن حافظ قوة وطنية يجب أن تكسب.
وكان هذا أيضًا رأي القصر فيه، فقد عين رئيسًا للقسم الأدبي في دار الكتب 1911 وأنعم برتب البكوية 1912 ثم نيشان النيل حيث أطلق عليه لقب ” شاعر النيل” وإن كان يفضل أن يلقب بالشاعر الاجتماعي، فقد كان يرى أن العروبة والشرق والإسلام بالمضمون الاجتماعي والوطني.
تكررت زيارات السكرتير لدار المندوب السامي له ولكن حافظ لم يدخل بيته قط، وعندما سأله حافظ لماذا كل هذه الزيارات فكان رده أنهم يقدرون كل وطني مخلص لبلاده ولو كان من ألد أعدائهم، ويمنحون الحياة لكل مجاهد نظيف مهما قال فيهم ومهما أثار الشعب عليهم .
وكثرت صدقات حافظ ولعل السبب فيها ببساطة ما في نفس الرجل، نفس متقبلة للناس جميع جميعًا لا تعقيد ولا التواء.
فهو كان ساحر الحديث، حاضر البديهة رائع النكتة، تزوج حافظ بعد عودته من السودان من إحدى قريبات زوج خاله، ولكن لم تتفق طبيعة حافظ المنطلقة مع قيود الزواج، وانتهى الأمر بالفرقة بين الزوجين.
كان حافظ بارًّا بأهله وكفل طفلة يتيمة اسمها جليلة، وهو لم ينس رعاية السيدة أمينة هانم زوج خاله وعاشت معه ولما توفيت قبل وفاة حافظ بحوالي ثلاث سنوات قام على خدمته خادمه الذي أخلص له فعين وزيرًا لماليته المضطربة، فلم يكن حافظ يطمئن إلى نفسه وإلى سلامة تدبيره الذي كثيرًا ما أوقعه في أزمات.
وكان من حظ حافظ أنه عاش أيام بؤس مصر كلها، وذاق مرارتها ويخرج غصتها في شعره حتى الثمالة، وشارك في الجهاد الوطني بأوفى نصيب حينما سخّر شعره وأوقفه على قضايا وطنه وقضايا العروبة والإسلام، حتى لقى ربه راضيًا مرضيًا عن فجر الحادي والعشرين من شهر الثورات يوليو 1932 فانطوت بوفاته أنقى وأطهرت الصفحات في سجل جهادنا الحر الأمين.

المراجع:
1- حافظ إبراهيم : الديوان تقديم فاروق شوشة، دار صابر، بيروت، ط١ ، 1989،. ص 12- 30

2-حافظ إبراهيم: المؤلفات الكاملة” الديوان” ، مكتبة لبنان، بيروت، ط1 ، 1991، ص 100-104

3-حافظ إبراهيم: الأعمال النثرية تقديم فاروق شوشة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2007، ص 5-14

قد يعجبك ايضا
تعليقات