العالم بين يديك

لو لم يكنْ مِن مظاهرِ العدلِ في الإسلامِ إلّا قوانينَهُ الحربيةَ لكان في ذلك ما يقنعُ المنصفينَ على اعتناقِهِ

624

د. فرج العادلي

هذه المقولة لأحد المفكرين الغربيين الذين اعتنقوا الإسلام، فبعد بحثه طويلًا وتبحره في القوانين الفقهية الإسلامية كثيرًا، ووصوله لآخرها وهي قوانين الحرب والقتال، خرج بهذه المقولة الخالدة سالفة الذكر.

وفي إيجازٍ شديد أحاول الوقوف على بعضها:

فمن القوانين الشرعية الإسلامية للحرب والقتال ما يلي:

١- النهي القاطع عن قتل الأطفال، والنساء، والشيوخ.

فقد كان-صلى الله عليه وسلم- يوصي قادة الجند بتقوى الله ومراقبة في السر والعلن، في الحركة والسكون؛- ليدفعهم إلى الالتزام بأخلاق الحروب والمعارك…-
فينهاهم نهيًا صارمًا عن قتل الولدان الصغار مهما كانت الغاية، فالغاية عندنا وعند كل متدينٍ مؤمنٍ أو صاحب أصلٍ أو خلقٍ لا تبرر الوسيلة بحال …

فيقول كما عند مسلم: “..ولا تقتلوا وليدًا..”

وفي رواية أبي داود: ” ولا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلًا، ولا صغيرًا، ولا امرأة..”.

وهذا النهي يقتضي الوجوب ومخالفة الواجب حرام، فكل من خالفه وقع في معصية الله تعالى ورسوله، بل ووقع تحت وطأة المحاكمة النبوية العادلة بعد العودة بلا أدنى تهاون أو طمعٍ في التجاوز عنه .

٢- عدم قتل العُباد والزهاد والعلماء.

فعن ابن عباس-رضي الله عنهما- أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- كان إذا بعث جيوشه وأمَّر قادته
يقول لهم: “لا تقتلوا أصحاب الصوامع”

فكيف يُقتل من يعبد الله تعالى، ويسبحه ليل نهار…

فكانت وصيته للجيش (كما عند أحمد): “اخرُجوا باسمِ اللَّهِ قاتِلوا في سبيلِ اللَّهِ من كفرَ باللَّهِ ، ولا تعتَدوا ، ولا تغلُّوا ، ولا تُمَثِّلوا ، ولا تقتُلوا الوِلدانَ ، ولا أصحابَ الصَّوامعِ” .

وهذا يبين الفارق الكبير، والبعد السحيق، والهوة الواسعة بيننا وبين من يقصف المساجد، والكنائس على رؤوس العباد والعلماء، بل والمستشفيات على رؤوس المرضى والمصابين.

٣- النهي القاطع عن الغدر بعد العهد:

فديننا وشرعنا الشريف يأمر بالوفاء بالعهد في السلم والحرب، في المحبة والبغض، في الصلة والقطيعة بل في كل حال، ومآل.

فيقول -صلى الله عليه وسلم-للجيش: “ولا تغدروا”. بل وصلت مكانة الوفاء بالوعد، وعدم الغدر عنده -صلى الله عليه وسلم- أنه تبرأ من الغادرين، ولو كانوا مسلمين مجاهدين، حتى ولو كان المغدور بهم من الكافرين المعتدين؛

فقال -صلى الله عليه وسلم-: كما في الصحيح” من أمَّن رجلًا على دمه ثم قتله فأنا بريء من القاتل وإن كان المقتول كافرًا”.

فانظر لمن يعلن للناس أن هذا المكان آمنٌ ثم يقصفه إذا ذهب الناس إليه ليلًا أو نهارًا بل أحيانًا يُقصَفون وهم مرتحلون !! قمة الغدر والخيانة، بل منتهى الخسة والنذالة…

ويقول بعض أهل العلم: وقد ترسخت قيمة الوفاء في نفوس الصحابة -رضي الله عنهم- حتى إن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- بلغه في ولايته أن أحد المقاتلين قال لمحارب من الفرس لا تخف، حتى سلم نفسه، ثم قتله.

فكتب عمر إلى قائد الجيش: إنه بلغني أن رجالًا منكم يطلبون العلج (الكافر)، حتى إذا اشتد في الجبل وامتنع يقول له: لا تخف، فإذا أدركه قتله، وإني والذي نفسي بيده لا يبلغني أن أحدًا فعل ذلك إلا قطعت عنقه.

تخيل هذا المشهد، وكيف يكون الحاكم المسلم صارمًا وحازما حينما يغدر أحد القادة بالمحاربين لا أقول بالأطفال والنساء والضعفاء المسالمين.

٤- النهي عن الإفساد والفساد في الأرض:
فلم تكن حروب المسلمين حروب تخريب وتدمير، وهدم للبنية التحتية، والحيوية كالحروب المدمرة التي نراها الآن، والتي يحرص فيها المقاتلون المعتدون من المجرمين على إبادة مظاهر الحياة ومعانيها، بل والحرص على محو المعالم والثقافة والتاريخ لدى خصومهم، والأتيان على الأخضر واليابس، واستئصال الشأفة، بل كان المسلمون يحرصون أشد الحرص على الحفاظ على العمران في كل مكان، لو كان ببلاد أعدائهم.

ولقد ظهر هذا جليًا في كلمات أبي بكر الصديق رضي الله عنه عندما وصى جيوشه المتجهة إلى فتح الشام، وكان مما جاء فيها: “ولا تفسدوا في الأرض”. بأي نوع فسادٍ كان.

وجاء أيضًا في وصيته: ” ولا تُغرقُن نخلًا ولا تحرقنها، ولا تعقروا بهيمة، ولا شجرة تثمر، ولا تهدموا بيعة..”.
فالشجر والثمر والطير والحيوان كله معصوم لدى المسلمين .

خامسًا: الإنفاق على الأسير:
إن الإنفاق على الأسير من الواجبات الدينية بل مما يثاب عليه المسلم ويمتدح.

قال تعالى {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} (سورة الإنسان)
ومما يدل عليه بصورة عملية، وشهادة حية من لسان أحد الأسرى ما روي عن أبي عزيز:
وأبو عزيزٍ – أحدُ الأسرى ووهو شقيقُ سيدنا مصعبِ بنِ عُميرٍ – رضي الله عنه- يحكي ما حدثَ فيقولُ: “كنتُ في رهطٍ مِن الأنصارِ حينَ أقبلُوا بِي مِن بدرٍ, فكانُوا إذا قدَّمُوا غداءَهُم وعشاءَهُم خَصَّوْنِي بالخبزِ، وأكلُوا التمرَ لوصيةِ رسولِ اللهِ إياهُم بنَا، ما تقعُ في يدِ رجلٍ منهم كسرةَ خبزٍ إلّا نفحنِي بها؛ فأستحِي فأردّهَا فيردّهَا عَلَيَّ ما يمسّهَا!

وكان أبو عزيزٍ هذا صاحبُ لواءِ المشركينَ ببدرٍ بعدَ النضرِ بنِ الحارثِ. (السيرة النبوية لابن كثير).
فكيف بمن لا يطعم الأثر، بل يمنع عنه القوت، والدواء، وياليتهم أسرى حرب بل هم من الأطفال والنساء والضعفاء، والمرضى والمصابين !!..

سادسًا: النهي عن التمثيل بالأموات.

سابعًا: النهي عن مواصلة القتال ليلًا أو حتى بدء المعركة أصلًا.
فكان النبي _ صلى الله عليه وسلم _ لا يقاتل حتى يصبح الصباح.

ثامنًا: عدم قطع الشجر أو تدمير الثمر.

تاسعًا: عدم الاعتداء أو مواصلة العدوان إذا بان انهزام العدو أو تضرره وفراره.
فيكفي أن يرد العدوان عن المسلمين، فإذا كف العدو يده عن الاعتداء وجب ترك القتال.
قال تعالى﴿ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله… ﴾

أخيرًا
الكل يدعي وصلًا بليلى وليلى لا تقر لهم بذاك
فالكل يزعم أنه يتبع دين الله تعالى وينفذ تعاليمه، لكن الواقع خير شاهدٍ على الكذب والضلال للمدعين.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
%d مدونون معجبون بهذه: