القاهرية
العالم بين يديك
Index Banner – 300×600

الجامع الأقمر مناره فنيه للمساجد الفاطميه

469

كتب _احمد حشيش

هذا المسجد لا يمكن أن تخطئه العين، فعلى الرغم من كثرة المساجد الفاطمية بشارع المعز لدين الله الفاطمي، إلا أن الجامع الأقمر يظل الأقدر على اختطاف الأبصار، بمجرد أن تتبدى معالمه بديعة التصميم، ومع تواضع حجمه مقارنة ببقية الجوامع الواقعة حوله، إلا أن ذلك لم يكن سوى ميزة أخرى مضافة إلى مجمل مزاياه المعمارية والروحانية. ويرجع تاريخ بناء الجامع الأقمر إلى عام 519 هجرياً- 1125 ميلادياً، وقام على بنائه الوزير المأمون بن البطائحي، بناءً على تكليف من الآمر بأحكام الله أبي علي المنصور، الخليفة الفاطمي آنذاك، وأبو عبدالله محمد بن فاتك البطائحي الوزير المأمون، وترجع أصوله إلى المنطقة الواقعة بين واسط والبصرة في العراق، كما عُرف أيضاً باسم عبدالله الأقمر. وهناك روايتان حول سبب تسمية الجامع باسم «الأقمر»، الأولى ترجح التسمية استناداً لاسم صاحبه عبدالله الأقمر، والثانية ترجع التسمية إلى نوعية الأحجار المستخدمة في بنائه، والتي اتسمت باللون الأبيض الخلاَّب، ما جعل جدران الجامع تتلألأ تحت أضواء قمر قاهرة المعز، وكلتا الروايتين مرجحتان.

يعد الجامع الأقمر أول مساجد مصر الإسلامية، التي صممها المهندس المصري العبقري بشكل تتفق فيه واجهتها مع تخطيط الشارع الذي تطل عليه، فالجامع يقع على ناصيتي شارعين ويرتكن إلى زاوية حادة، ولعل ذلك ما جعل تخطيطه يميل إلى شكل المستطيل غير منتظم الأضلاع من الخارج، لكن نجحت عبقرية المصمم المصري في توقيع حدوده الداخلية بمهارة فائقة، لتشكل جدرانه الداخلية مستطيلاً منتظم الأضلاع بطول 28 متراً وعرض 17.5 متر.
ونجح المهندس المصري في ذلك بحيلة هندسية جميلة، استغنى بها عن ضرورة أن تكون الواجهة موازية لجدار القبلة وجعلها منحرفة بعض الشيء، لتساير اتجاه الشارع واستغل الفراغ الناتج عن الانحراف في إنشاء ثلاث غرف صغيرة، واحدة إلى يمين الداخل، واثنتين إلى يساره، وهي الغرف التي ستقابلك فور دخولك من بوابة الجامع.

شموس ونقوش

يقف الزائر كثيراً أمام الواجهة البديعة للجامع، فبعد الدرجات القليلة على يسار مدخل الجامع، يصل الزائر إلى مستوى البوابة المنخفض عن مستوى الشارع قليلاً، وتتحرك العين حيث النقوش الفريدة، فهي أول واجهة لمسجد مصري تحظى بزخارف معمارية من دلايات ونقوش خطية ونباتية محفورة بالحجر، كما لا تخلو أيضا من بعض النقوش التي تحمل طابع المذهب الإسماعيلي، فالدوائر الزخرفية التي تبدو كالشمس الساطعة تحمل في ثناياها الداخلية اسم الإمام علي بن أبي طالب «كرم الله وجهه»، والشكل الهندسي للدائرة له معنى في الفن الإسلامي، فالدائرة هي الشكل الأتم لدى القدماء، فالوجود دائماً ما يكون في حركة دوران وكل شيء له مركز يدور حوله، فالقمر يهيم حول الأرض في حركة دائرية، والأرض كذلك تفعل حول نفسها، وكواكب المجموعة الشمسية تسبح هي الأخرى حول شمسها «كُلٌ في فلك يسبحون».

وجذبت ظاهرة الشموس التي تزين واجهة جامع الأقمر، انتباه الدكتور أحمد فكري، أستاذ الحضارة الإسلامية في كتابه «مساجد القاهرة وآثارها»، فكتب عن تلك الظاهرة قائلاً: «الظاهرة الأولى للزخرفة في واجهة مسجد الأقمر هي الإشعاعات الصادرة عن مركز يمثل الشمس في أغلب الأحيان، وإذا ما اتجهت الأنظار إلى الطاقة الكبرى التي تعلو الباب سنلاحظ أنه يتوسطها في دائرة صغيرة نقش لاسم سيدنا محمد، صلى الله وعليه وسلم، وعليّ بن أبي طالب، رضي الله عنه، تحيط بها ثلاث حلقات، نُقش على الحلقة الوسطى منها بالخط الكوفي ما نصه بسم الله الرحمن الرحيم «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً»، وكأنما أريد بهذه الشموس المضيئة أن تعبر عن قوله تعالى «جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً».
وتتزين واجهة الأقمر، وحدها بسبعة أشكال لشموس مختلفة الأحجام، تشارك جامعي الجيوشي والحاكم بأمر الله، في بروز واجهة المسجد خارج جدرانه، وإن كان هذا البروز يبدو واضحاً أكثر في جامع الحاكم بأمر الله، إذ يتخذ هيئة برجين يتوسطهما ممر يؤدي إلى الباب، لكن البرجين في الأقمر قد روعي في تصميمهما أن يصغر حجمهما ليتناسق مظهرهما مع الواجهة.
وبعد الانتهاء من تأمل واجهة الجامع البديعة، وما إن تتجاوز الأعين الغرف على يمين ويسار المدخل، يجد الزائر نفسه واقفاً على أعتاب الصحن المكشوف، وسيلاحظ من النظرة الأولى أن الصحن ليس مربعاً، كما هو متعارف عليه، وإنما هو أقرب إلى المستطيل، وتطل عليه من كل جانب بائكة من ثلاثة عقود ترتكز كل منها على عمودين منفصلين في الوسط، وعلى دعامتين مشتركتين في أركان الصحن. أما رواق القبلة فهو أكبر الأروقة، ويتكون من ثلاث بوائك كبيرة يتصدرها المحراب المصنوع من الرخام الأبيض، الذي توِّج من أعلاه بلوحة رخامية بيضاء سَجل عليها الأمير يلبغا السمالي، العمارة التي أجراها للجامع بعد فترة الإهمال، التي ضربت أركانه لسنوات طويلة.
بعد قدوم الدولة الأيوبية التي أنهت تواجد الفاطميين في مصر المحروسة، ظل صلاح الدين الأيوبي مقيماً لفترة بالقصر الشرقي والغربي الواقعين بشارع المعز لدين الله الفاطمي، إلى أن تم الانتهاء من تشييد مقره الجديد، الذي عرف ب«قلعة صلاح الدين الأيوبي»، التي شيدها لتكون هي مقره الجديد بعيداً عما تبقى من آثار الفاطميين، وانتقل بذلك مقر الحكم من شارع المعز إلى قاعة الجبل، كما كان يطلق عليها آنذاك، ومع مرور الزمن تهدم القصر الشرقي والغربي وتسلل الإهمال إلى أرجاء المساجد، التي شيدها الفاطميون ومنهم الجامع الأقمر، كما انتقل مقر الحكم من شارع المعز، وانتقلت خُطب يوم الجمعةِ أيضا، وظلت الحال هكذا إلى أن جاء عهد المماليك، ومن هنا عادت الحياة تدب بأرجاء المساجد الفاطمية، التي نجت من الاندثار بفعل الإهمال والنسيان.

قبلة الحياة

كان أول المساجد التي تم الاهتمام بإحيائها مرةً أخرى بعد فترات الإهمال، التي ضربت أرجاء المساجد الفاطمية هو مسجد الصالح، الذي أمر بإعادة ترميمه السلطان «أيبك التركماني»، تلاه الجامع الأزهر الذي طواه النسيان بأمر السلطان «صلاح الدين الأيوبي»، إلى أن جاء السلطان بيبرس، ليأمر بترميم المسجد وإعادته إلى الحياة مرةً أخرى، أما الأقمر، فقد تأخرت عنه أيادي التجديد، حتى جاء أول سلاطين المماليك البرجية، السلطان الظاهر برقوق عام 1282م.

ويذكر المؤرخ تقي الدين أحمد بن علي المقريزي، في كتابه «المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار»، ما أصاب الأقمر من إصلاحات أشار إليها بكتابه قائلاً: «فلما كان في شهر رجب سنة تسع وتسعين وسبعمئة، جدده الأمير الوزير المشير الأستادار يلبغا بن عبدالله السالمي، أحد المماليك الظاهرية، وأنشأ بظاهر بابه بالبحري حوانيت يعلوها طباق، وجدد في صحن الجامع بركة لطيفة يصل إليها الماء من ساقية، وجعلها مرتفعة ينزل منها الماء إلى من يتوضأ من صنابير نحاس ونصب فيه منبراً».
ودونت أعمال التجديد التي قام بها السالمي باللوحة التي تعلو المحراب الرخامي للجامع، وجاء فيها بسم الله الرحمن الرحيم«فَانظُرْ إلى آثَارِ رحمة اللَّهِ كَيْفَ يُحْييِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»، أمر بعمل المنبر والمنارة وغيره بعد اندراسه في أيام مولانا الملك الظاهر أبو سعيد برقوق، حرس الله نعمته العبد الفقير إلى الله تعالى أبو المعالي عبدالله يلبغا السالمي الحنفي الصوفي، لطف الله به في الدارين، وجعله في شهر رمضان المعظم سنة تسع وتسعين وسبعمئة وكان بني- وصحته بناء- هذا الجامع في أيام الخليفة الآمر بأحكام الله بن المستعلي بالله في سنة تسع عشرة وخمسمئة من الهجرة النبوية».
ومضت الأيام والسنون يطوي بعضها بعضاً، حتى جاء سليمان آغا السلحدار، كما يروي الجبرتي، وأمر بتجديد جامع الأقمر في عام 1236 هجرياً 1821 ميلادياً في عهد محمد علي باشا، ليعيده إليه الخدمة مرةً أخرى، بعد فتره من الإهمال ضربت أركان الجامع مرةً أخرى.
أما في عصرنا الحديث، فقد قامت لجنة حفظ الآثار العربية بترميم الجامع وتجديده، والحفاظ على زخارفه في الفترة من عام 1928 ميلادياً، كما قام أيضاً المجلس الأعلى للآثار في فترة لاحقة لذلك بتجديده وإزالة المباني، التي كانت تحجب واجهته عن المارة ليعود الجامع، ويطل ببهائه مرةً أخرى على شارع المعز لدين الله الفاطمي، وتعود أحجاره البيضاء لتتلألأ من جديد تحت أضواء القمر في ليالي المحروسة الصافية، شاهداً على مفاخر العمارة الإسلامية الفاطمية.

قد يعجبك ايضا
تعليقات