القاهرية
العالم بين يديك
Index Banner – 300×600

الوضع الاجتماعي والديني والعسكري فى العصر الساساني

104

 

د/ زمزم حسن

ضاق أبناء الشعب الفارسيّ بهذا النظام، فالفرد منهم كان يشقى ويتعب لِتربية أولاده ورعايتهم، حتَّى إذا شبُّوا وبدأوا يُساعدونه على تحمّل أعباء الحياة؛ جمعهم الأشراف ليُقدموهم إلى الشاهَنشاه الذي يقذف بهم في أُتون الحروب. ولقد استهان الشاهَنشاهات بِرؤساء الطبقات الرفيعة، فلم يُراعوا حق الدين والوطن، ورُبَّما أجلس بعضهم عدوَّ البلاد على العرش. كما أنَّ رجال الدين خلعوا لِباس التقوى، وألهاهم جمع المال، وفُتنوا بالمظاهر، وناصبوا الأشراف العداء السافر، وأخذ بعضهم يكيدُ لِبعض، وكانت كُلُّ طائفةٍ تسعى لِمصلحتها دون النظر إلى مصلحة المجموع. أفقدت هذه الأوضاع الشَّاذة ثقة الفارسيّ بِمُجتمعه ووطنه، وتزعزع إيمانه بهذا النظام، ولم تقضِ إصلاحات كسرى الأوَّل أنوشروان على ما في نُفوس الناس من الشُعور بالظلم، والتطلُّع إلى من يتحدَّث عن المُساواة وتكافؤ الفُرص بين النَّاس، حتَّى وجدوا ذلك في الدين الإسلامي.
اتَّخذ الفُرس الساسانيّون، مُنذُ بداية عهدهم، المجوسيَّة (الزرادشتيَّة) دينًا رسميًا. ومن خصائص هذا الدين تقديس عناصر الطبيعة. وللشمس عند الساسانيين حُرمة عظيمة، غير أنَّ النار أعظم شأنًا، لذلك دخلت كعاملٍ رئيسٍ في عباداتهم. وبُيوتُ النَّار عندهم هي مراكز العبادة والتقديس. يعتقد المجوس بوجود إلهٍ للخير والنور، خالقٍ يُسمّونه «أهورامزدا»، وإلهٌ للشر والظُلمة يُسمّونه «آهرمان» ولكنَّهُ ليس بمُستوى أهورامزدا. فالمجوسيَّة بهذا تقومُ على الثنويَّة والنزاع الدائم بين إله الخير وإله الشر، لكنَّ النصر في النهاية سيكون للإله الأوَّل بما يبذله الإنسان من أعمالٍ حسنةٍ للتغلُّب على روح الشَّر. وابتُلي الساسانيّون بِنزاعاتٍ دينيَّةٍ بعد ظُهور الديانتين المانويَّة والمزدكيَّة بفعل اختلاف فلسفاتها وتعاليمها. وكان تشجيع الأكاسرة لإحدى هذه الديانات يدفع مُعتنقيها إلى اضطهاد مُخالفيهم، وقد أضاع هذا التناحر البلاد حين وضعها في جوٍ مشحونٍ بالنزاعات.

نحت الإمبراطوريَّة الساسانيَّة، مُنذُ بداية حياتها السياسيَّة، منحىً توسُعيًا، بهدف إحياء الإمبراطوريَّة الأخمينيَّة التي قضى عليها الإسكندر الأكبر، وقد تطلَّب ذلك إنشاء جيشٍ مُنظمٍ وقويٍّ، لذلك أدخل الشاهنشاه أردشير الأوَّل طوائف الجُند التي كانت تتبع صاحب الإقطاع في الجيش النظاميّ. والمعروف أنَّ الفُرسان الدَّارعين يُشكِّلون القوَّة الضاربة في الجيش الفارسيّ، وأنَّ النصر يتوقَّف على مدى اندفاعهم وشجاعتهم في القتال، وبِخاصَّةً الفرقة المعروفة بالخالدين، وهي مؤلَّفة من عشرة آلاف فارس يُختارون من بين المُجلِّين. وتتخذُ الفيلةُ مكانها خلف الفُرسان، وكأنَّها حُصون، وتُشكِّلُ عامل رُعبٍ لِخيل العدوّ، وعامل ثقة لأفراد الجيش الفارسيّ، كما يُحملُ عليها أبراجٌ من الخشب مشحونةٌ بالمُقاتلين والسِّلاح ورُماة النِبال وحاملي الرَّايات، ويُقدِّمونها أحيانًا أمامهم، ويجعلون منها نُواةً لِفِرقهم، تلتفُّ حول كُلِّ فيلٍ فرقةٍ من الجيش. وإذا ذُعر فيلٌ أثناء المعركة وارتدَّ على جُنود الفُرس، يُبادرُ الفيَّال إلى قتله

شكَّل المُشاةُ مؤخَّرة الجيش، وهُم من أهل القُرىـ يُستدعون إلى الحرب دون أجرٍ أو حافز، ويلبسون دروعًا من الخيزران المُتشابك المُغطّى بِجلدٍ غير مدبوغٍ، وهُم جنودٌ غير مهرة عادةً، يُولّون الأدبار قبل أن يبدأ العدوُّ بالحرب. واعتمد الجيشُ الفارسيّ على المُرتزقة أيضًا، وهُم من الشُعوب القاطنة في أطراف الإمبراطوريَّة من الذين اشتهروا بالشِّدَّة في القتال، مثل: السجستانيّون، والسَّاجيّون، والقفقاسيّون، والدَّيالمة، وغيرهم. يقودُ الشاهنشاه، عادةً، الجيش في المعارك، ويُنصبُ العرش الملكيّ وسط الجيش، ويُحيطُ به خدمه وحاشيته وفِرقة من الجُند المُكلَّفة بِحراسته.

اقتبس الفُرس بعضُ الفُنون العسكريَّة من الرومان ومن خُلفائهم المشرقيين، أي الروم البيزنطيين، مثل عمليَّات حِصار القِلاع واستعمال المجانيق والأبراج المُتحرِّكة وآلات الحِصار الأُخرى التي كانت تُستعملُ قديمًا، كما نفَّذوا أُسلوب حرق المحاصيل الزِّراعيَّة حتَّى لا يستفيد العدُوُّ منها، وفتح السُدود في الأراضي التي يُخصِّبها الرَّي، حتَّى يغرق الوادي ويُوقف تقدُّم العدوّ. هذا ويُشترط بالقائد أن تتوفَّر فيه الصِّفات العسكريَّة الضروريَّة لإدارة الحرب والقُدرة على وضع وتنفيذ الخِطط العسكريَّة. لم يكن الفُرس شديدي البأس في الحرب، ولم يعتادوا القِتال ببسالة إلَّا أن يكونوا على مسافةً بعيدةً من عدوِّهم، وإذا شعروا بأنَّ فِرقهم تتراجع يتقهقرون مُطلقين خلفهم سِهامهم حتَّى يُخففوا من مُطاردة عدوِّهم لهم. تعتمدُ الخِطط العسكريَّة التي طبَّقها السَّاسانيّون في القِتال، على الصَّدمة بأفواجٍ مُنظمةٍ من الفُرسان الدَّارعين في صُفوفٍ كثيفةٍ، كما طبَّقوا نِظام التعبئة القائم على المُقدِّمة من الفُرسان، والقلب الذي يرتاد أفرادُه مكانًا مُشرفًا، والجناحين والمُؤخَّرة من الرُماة والمُشاة، وهو نِظامُ الزَّحف من خِلال تقسيم الجيش إلى كراديس. والواقع أنَّ هذا النظام العسكريّ، لم يثبت أمام التعبئة الإسلاميَّة القائمة على الكر والفر، والمعروف أيضًا أنَّ المُسلمين استعملوا أيضًا أُسلوب الكراديس في القِتال.

قد يعجبك ايضا
تعليقات