القاهرية
العالم بين يديك
Index Banner – 300×600

الوعد الحق

98

فاطمة عبد العزيز محمد

إن الحق والباطل ضدان أو نقيضان، والصراع بينهما ممتد عبر الأزمنة ولقد تكفل الله بنصرة الحق وأهله، ودحض الباطل ومن اتبعه، وإذا اشتد الصراع بين الحق والباطل كانت النصرة للحق لا محالة وإذا كان الصراع بين باطل وحق فسرعان ما يزهق الباطل، لأن هذه هي القاعدة المسلم بها، أما إذا كان الصراع بين باطل وباطل فقد يدوم طويلاً بخلاف الحق وذلك تأديباً من الله وعقاباً لأهل هذا الباطل، ومن أمثلة القرآن التي تحمل المعاني السامية ما ورد في سورة الرعد، والمثل المضروب فيها مظهر من مظاهر قوة الله الواحد القهار.

يقول تعالى: “أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبداً رابياً ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال” سورة الرعد/17، إنه مثال للحق والباطل في هذه الحياة، الباطل يطفو ويعلو وينتفخ ويبدو رابياً طافياً ولكن ماهو إلا زبد أو خبث ما يلبث أن يذهب جفاء مطروحاً لا حقيقة له ولا تماسك فيه، فلا ثبات للباطل ولا دوام وكما أن الزبد لا يثبت مع الماء بل يتفرق ويتمزق وتنسفه الرياح، شبه الله الباطل بالزبد النافش الرابي المنتفخ، لكنه غثاء لا قيمة له ولا قدر والماء من تحته ثابت هادئ ولكنه يحمله، والحق هادئ ساكن باق في الأرض كالماء المحيى لها.

 

فلقد قبح الله الباطل وأهله ووصفهم بأوصاف متدنية، ووصف الحق والذين يتبعونه بأوصاف تبهر النفس وتبعث فيها العزة، فالسنة التي لا تتخلف أن يغلب الحق في النهاية وأن يزهق الباطل، لأن الحق قاعدة كونية بل وغلبته سنة إلهية، والباطل ليس قاعدة أو أركاناً، هو زبد يذهب جفاء، بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق «سورة الأنبياء» ولابد أن يكون كذلك، زاهق أمام زحف الحق وقذف الله به عليه، وغلبة الحق مؤكدة.

والمؤمنون بالله لا يخالجهم الشك في صدق وعده وفى أصالة الحق في بناء الوجود ونظامه، وفي نصرة الحق الذي يقذف به على الباطل فيدمغه، فإذا هو زاهق لا محالة، وصدق الله القائل:(“وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً”) سورة الإسراء/81.

 

إن الحق قد يكون مع القوي كما قد يكون مع الضعيف، فلا يصح أن نحكم بأن القوي على حق فقط لأننا نخاف من بطشه، أو لأن باطله تحول إلى واقع بحق قوته، يجب أن يحكم الحق القوة، لا أن نسلط القوة على الحق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “أفضل الجهاد كلمة حق عند إمام جائر”، ولما أمسك الإيطاليون بالمجاهد عمر المختار قالوا له: ها أنت الآن بين أيدينا نفعل بك ما نشاء، فأجابهم رحمه الله بقوله: لئن كسر المدفع سيفي فلن يكسر الباطل حقي.

ولا نحكم بالحق للضعيف أيضا لمجرد ضعفه، كما هو حال الكثير من الناس فكلما نشب نزاع بين رجل سلطة ومواطن عادي، أو بين الشرطة والشعب أعطوا الحق للطرف الأضعف دون تبين، وكذلك إذا حدث شجار بين رجل وامرأة في الشارع العام فالحق دائما مع المرأة، فقط لأنها الطرف الأضعف، وما بهذا المنطق نميز الحق من الباطل.

 

والمطلوب من الإنسان بصفة عامة والمسلم بصفة خاصة أن يتحرى الحق دائما وأن يكون من أهله، كما يجب أن يكون الحق فوق العواطف والمشاعر، فلا نحابي في الحق حبيبا مهما كانت خلته ولا صديقا مهما بلغت صداقته، ولا نجرد صاحب الحق من حقه مهما بلغت بنا عداوته، قال تعال في حق الأعداء: “وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هو أقرب للتقوى” سورة المائدة/8، وقال في حق الأقربين:(“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ) خَبِيرًا” سورة النساء/135، وقديما قال أحد الفلاسفة: أحب أستاذي وأحب الحق لكن حبي للحق أشد.

وان الرجوع إلى الحق فضيلة، فعلى الإنسان ألا يتردد في الرجوع إلى الحق متى تبين له أنه على باطل، فقد قال صلى الله عليه وسلم: “إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير”.

قد يعجبك ايضا
تعليقات