القاهرية
العالم بين يديك

أيها الآباء: لا تحققوا أحلامكم

122

كتب_د.حسام حسان

هذه قصة حقيقية وقعت أحداثها منذ خمس سنوات بإحدى المدن المصرية، حيث يعمل السيد(ف) معلماً للرياضيات بالمرحلة الثانوية، ويعتبر من أشهر المعلمين في مدينته ويتم حجز مواعيد لدروسه قبلها بعدة أشهر،بعد إجراءاختبار قبول للطلاب.

السيد(ف)متزوج من السيدة (س) والتي تعمل هي الأخري معلمة لمادة الفيزياء لنفس المرحلة، وهي تتمتع بشهرة تساوي شهرة السيد(ف) إن لم تكن هي الأشهر في مادتها علي

مستوي المدينة.

كانت طباع الزوجين متقاربة وبينهما تفاهم لابأس به،والعجيب في الأمر أن أكثر ما اتفقا عليه هو احساسهما بالإحباط علي الرغم من نجاحهما المهني،وذلك لضياع حلمهما القديم بدخول كلية الهندسة حيث ارسلهما مكتب التنسيق لكلية التربية،وعلى هذا فقد اتفقا أن يحقق ابنهما الوحيد ذلك الحلم،ورسما أحلاماّ ورديةلهذا الفتي الذي سيدخل هندسة البترول بعد تحقيقه لأحد المراكز المتقدمة في سباق العشر الأوائل على مستوى الجمهورية، ولما لا والرياضيات والفيزياء في جيبهما.

سيتخرج الابن وسيعين في الفرع الرئيس لأحد الشركات الاستثمارية بمدينة الاسكندرية،ولما لا وشقيق السيدة(س) هو رئيس مجلس ادارة هذه الشركة،خاصة وأن لديه ابنه بارعة الجمال في نفس السن ولا شك في دخولها كلية الهندسة هي الأخرى، ولما لا وقد اشترى الزوجان شقة مطلة على البحر بهذة المدينةمنذ عدة سنوات لتكون عش الزوجية للابن المهندس وابنه خاله المهندسة.

السنة الدراسية أوشكت أن تبدأ،اجتمعت الاسرة وقررت دخول الابن للقسم العلمي (شعبة رياضيات)، لأن المنطق يوجب ذلك بحكم تخصص الأب والأم،وبحكم الحلم الذي لامفر من تحقيقه على يد الابن، أصدر الأب فرماناً بأن يأخذ الإبن دروساً في مادة الفيزياء والرياضيات عند زملاء لهما ويقوم هو والأم بالمراجعة وبذلك يكون هناك تنوع في الشرح والمراجعة مما يضمن الدرجات النهائية،إلا أن الإبن رغم هذه التسهيلات وبرغم السيناريو المكتوب بمنتهى الدقة أعلن خلال الاجتماع كراهيته للقسم العلمي وتمرده على الفيزياء والرياضيات وكل ما يمت لهما بصلة وأظهر رغبته الشديدة في دخول القسم الأدبي والالتحاق بكلية الآداب قسم صحافة ليعمل مراسلاً صحفياً يغطي الأحداث لصالح القنوات الاخبارية، صعق الأب وصعقت الأم وتم اتهام الابن بالعته ووصفا حلمه بالحلم العبيط الغير القابل للتحقيق، وأن عليه أن ينفذ ما يؤمر به فليس امامه اختيارات.

انقضي العام الدراسي، بدأت الامتحانات وجه الابن لا يبشر بالخير، الحلم يتسرب،السيد(ف)يفقد أعصابه وأوشك أن يفقد عقله،السيدة(س) انتابتها أعراض نفسية غريبة فهي تقوم بعض الابن بشكل يشبه الإفتراس عندما تقوم بمراجعة دروسه معه.

ها هو اليوم الموعود امتحان الفيزياء انتهى وعاد الابن شاحب الوجه استقبلته الام وصوت اسنانها يكاد يسمعه الجيران،تدخل السيد(ف) وطالبها بالتعقل والهدوء،وطالبها بترك الأمر له،وبدأ يسأل الابن عن اجاباته مشككاً فيما يقوله،وفي النهاية توعده بأنه إذا لم يحقق المجموع المرجو منه سيجعل منه اضحوكه، وسيقوم بتجريده من ملابسه بالكامل في الشارع وجلده أمام المارة،ثم أمره بالنوم عدة ساعات استعداداً لمراجعة الرياضيات،دخلت الأم لايقاظ الابن في الوقت المحدد فوجدته معلقاً في مروحة السقف، وقد لفظ انفاسه الأخيرة تاركاً ورقة في جيبه مكتوب فيها

(لم يعد لي أحد في هذا العالم الموت أفضل من تحقيق أحلامكم)

دخلت السيدة (س) أحد المصحات النفسية لتعالج من اضطراب ما بعد الصدمة،وهي تعيش على المهدئات ومضادات الاكتئاب،ولم يحدث تحسن ملحوظ في حالتها،أما السيد (ف) فيخرج كل يوم من منزله حاملاً مسطرة حرفT متوجهاً لمكان مجهول ثم يعود ليلاً ومعه كيس أسود اللون لايعلم أحد ما يحويه،وقد تم فصله من وظيفته ولم يعد يُذكر حتى اسمه في سوق الدروس الخصوصية.

وإذا وضعنا الواقعة السابقة تحت منظار التحليل النفسي،سنجد أن الرغبة المحمومة في تحقيق الحلم قد حوّلت الأب والأم لمسوخ نفسية ترتدي ثوب العقل والمنطق (أب مدرس رياضيات+ أم مدرسة فيزياء= ابن مهندس)،إن المعادلة الرياضية أغفلت الطبيعة الانسانية وما بها من ميول واهتمامات وسمات كامنة، فقد يتزوج الطبيب المرموق من طبيبة جميلة مشهود لها بحسن الخلق وحب كل من حولها وفي النهاية يطلقها ويتزوج من أحد الممرضات بالمستشفى التي يعمل بها.

ومن العبث هنا أن تبحث عن المنطق في أشياء لا منطق لها وما أصعب أن تفهم منطق المرض والعقد النفسية، وفي النهاية نصيحة لكل أب وأم لا تجبروا أولادكم على تحقيق أحلامكم لأنهم ببساطة لم يحلموا بها يوماً ما.

 

قد يعجبك ايضا
تعليقات