القاهرية
العالم بين يديك
Index Banner – 300×600

من أعلام التلاوة للقرآن الكريم الشيخ عبدالباسط عبدالصمد

239

بقلم حسن محمود الشريف
فضيلة الشيخ (عبد الباسط محمد عبد الصمد سليم داوود ) ، وشهرته
( عبدالباسط عبدالصمد) قارئ قرآن مصري ويُعَد أحد أعلام هذا المجال البارزين، وقد لُقّب ب”صوت مكة”

وُلِدَ فضيلة القارئ الشيخ عبد الباسط محمد عبد الصمد عام 1345 هـ/ 1927 م بقرية المراعزة التابعة لمركز أرمنت بمحافظة قنا (قبل أن يْضَم مركز أرمنت إلى محافظة الأقصر سنة 2009 مع تأسيسها) بجنوب الصعيد. حيث نشأ في بيئة تهتم بالقرآن الكريم حفظًا وتجويدًا. فالجَد هو الشيخ عبد الصمد كان من الحفظة المشهود لهم بالتمكن من حفظ القرآن وتجويده بالأحكام، والوالد هو الشيخ محمد عبد الصمد، كان أحد المجودين المجيدين للقرآن حفظًا وتجويدًا. أما الشقيقان محمود وعبد الحميد فكانا يحفظان القرآن بالكتاب فلحق بهما أخوهما الأصغر سنًّا عبد الباسط وهو في السادسة من عمره.
التحق الطفل الموهوب عبد الباسط بكتاب الشيخ الأمير بأرمنت فاستقبله شيخه أحسن استقبال؛ لأنه توسم فيه كل المؤهلات القرآنية التي أصقلت من خلال سماعه القرآن يُتلَى بالبيت ليل نهار بكرةً وأصيلًا.
لاحظ الشيخ على تلميذه الموهوب أنه يتميز بجملةٍ من المواهب والنبوغ تتمثل في سرعة استيعابه لما أخذه من القرآن وشدة انتباهه وحرصه على متابعة شيخه بشغف وحب، ودقة التحكم في مخارج الألفاظ والوقف والابتداء وعذوبة في الصوت تُشنِّفُ الآذان بالسماع والاستماع. وأثناء عودته إلى البيت كان يرتل ما سمعه من الشيخ رفعت بصوته القوي الجميل متمتعًا بأداءٍ طيبٍ يستوقف كل ذي سمع.
حفظ القرآن الكريم على يد الشيخ ( محمد الأمير ) شيخ كتاب قريته. أخذ القراءات على يد الشيخ المتقن محمد سليم حمادة.
يقول الشيخ عبد الباسط في مذكراته: «كانت سنّي عشر سنوات أتممت خلالها حفظ القرآن الذي كان يتدفق على لساني كالنهر الجاري وكان والدي موظفًا بوزارة المواصلات، وكان جَدّي من العلماء فطلبت منهما أن أتعلم القراءات فأشارا عليَّ أن أذهب إلى مدينة طنطا بالوجه البحري لأتلقى علوم القرآن والقراءات على يد الشيخ (محمد سليم) ولكن المسافة بين أرمنت إحدى مدن جنوب مصر وبين طنطا إحدى مدن الوجه البحري كانت بعيدة جدًا، ولكن الأمر كان متعلقًا بصياغة مستقبلي ورسم معالمه مما جعلني أستعد للسفر، وقبل التوجه إلى طنطا بيومٍ واحدٍ علمنا بوصول الشيخ محمد سليم إلى (أرمنت) ليستقر بها مدرسًا للقراءات بالمعهد الديني بأرمنت واستقبله أهل أرمنت أحسن استقبال واحتفلوا به؛ لأنهم يعلمون قدراته وإمكاناته لأنه من أهل العلم والقرآن، وكأن القدر قد سَاقَ إلينا هذا الرجل في الوقت المناسب. وأقام له أهل البلاد جمعية للمحافظة على القرآن الكريم
(بأصفون المطاعنة) فكان يُحَفِّظ القرآن ويُعَلِّم علومه والقراءات. فذهبت إليهِ وراجعت عليه القرآن كله، ثم حفظت الشاطبية التي هي المتن الخاص بعلم ” القراءات السبع”
بعد أن وصل الشيخ ( عبد الباسط ) الثانية عشرة من العمر انهالت عليهِ الدعوات من كل مدن وقرى محافظة قنا وخاصة ( أصفون المطاعنة ) بمساعدة الشيخ ( محمد سليم ) الذي زكّى الشيخ ( عبد الباسط ) في كل مكان يذهب إليه، وشهادة الشيخ ( سليم ) كانت محل ثقة الناس جميعًا
أما عن دخول الشيخ الإذاعة المصرية كان
مع نهاية عام 1951 عندما طلب الشيخ ( الضَّبَّاع ) من الشيخ ( عبد الباسط ) أن يتقدم إلى الإذاعة كقارئ بها ولكن الشيخ ( عبد الباسط ) أراد أن يؤجل هذا الموضوع نظرًا لارتباطهِ بمسقط رأسه وأهله ؛ ولأن الإذاعة تحتاج إلى ترتيب خاص. ولكنه تقدم بالنهاية.
كان الشيخ ( الضباع ) قد حصل على تسجيل لتلاوة الشيخ ( عبد الباسط ) بالمولد الزينبي وقدّم هذا التسجيل للجنة الإذاعة فانبهر الجميع بالأداء القوي العالي الرفيع المحكم المتمكن واعتُمِد الشيخ ( عبد الباسط ) بالإذاعة عام 1951 ليكون أحد قرائها. وبعد الشهرة التي حققها الشيخ ( عبد الباسط ) في بضعة أشهر كان لابد من إقامة دائمة في القاهرة مع أسرته التي نقلها معهُ إلى حي ( السيدة زينب) .
دخل الإذاعة المصرية سنة 1951، وكانت أول تلاواته من سورة فاطر. عُيّن قارئًا لمسجد
( الإمام الشافعي) سنة 1952، ثم لمسجد ( الإمام الحسين ) سنة 1958 خلفًا للشيخ
(محمود علي البنا.) ترك للإذاعة ثروة من التسجيلات إلى جانب المصحفين المرتل والمجود ومصاحف مرتلة لبلدان عربية وإسلامية. جَابَ بلاد العالم سفيرًا لكتاب الله، وكان أول نقيب لقراء مصر سنة 1984.
وبسبب التحاقه بالإذاعة زاد الإقبال على شراء أجهزة الراديو وتضاعف إنتاجها في ذلك الوقت وانتشرت بمعظم البيوت للاستماع إلى صوت الشيخ ( عبد الباسط ) ، وكان الذي يمتلك (راديو) في منطقة أو قرية من القرى كان يقوم برفع صوت الراديو لأعلى درجة حتى يتمكن الجيران من سماع الشيخ (عبد الباسط ) ، وهم بمنازلهم وخاصة كل يوم سبت على موجات البرنامج العام من الثامنة وحتى الثامنة والنصف مساءً.
وانهالت عليه الدعوات من شتى بقاع الدنيا في شهر رمضان وغيرهِ.
وكانت بعض الدعوات توجه إليه ليس للاحتفال بمناسبة معينة وإنما كانت الدعوة للحضور إلى الدولة التي أرسلت إليه لإقامة حفل بغير مناسبة وإذا سألتهم عن المناسبة التي من أجلها حضر ( الشيخ عبد الباسط) ؛ فكان ردهم (بأن المناسبة هو وجود الشيخ عبد الباسط) فكان الاحتفال بهِ ، ومن أجلهِ ؛ لأنه كان يضفي جوًا من البهجة ، والفرحة على المكان الذي يحل به.

هذا يظهر من خلال استقبال شعوب دول العالم لهُ إستقبالًا رسميًا على المستوى القيادي والحكومي ، والشعبي. حيث استقبله الرئيس الباكستاني في أرض المطار ، وصافحه وهو ينزل من الطائرة. وفي جاكرتا بدولة ( إندونيسيا ) قرأ القرآن الكريم بأكبر مساجدها فامتلأت جنبات المسجد بالحاضرين وامتد المجلس خارج المسجد لمساحة كيلو متر مربع تقريبًا فامتلأ الميدان المقابل للمسجد بأكثر من ربع مليون مسلم يستمعون إليهِ وُقُوفًا على الأقدام حتى مطلع الفجر.

في جنوب أفريقيا عندما علم المسؤولون بوصولهِ أرسلوا إليهِ فريق عمل إعلامي من رجال الصحافة والإذاعة والتلفاز لإجراء لقاءات معهُ ولمعرفة رأيهِ عما إذا كانت هناك تفرقة عنصرية أم لا من وجهة نظره، فكان أذكى منهم وأسند كل شيء إلى زميلهِ وابن بلده ورفيق رحلته القارئ الشيخ ( أحمد الرزيقي ) الذي رد عليهم بكل لباقة وأنهى اللقاء بوعي ودبلوماسية أضافت إلى أهل القرآن مكاسب لا حد لها فرضت احترامهم على الجميع.

كان أول زيارة للشيخ ( عبد الباسط ) خارج مصر بعد التحاقهِ بالإذاعة عام 1952 حيث زار خلالها السعودية لأداء فريضة الحج ومعهُ والده. واعتبر السعوديون هذه الزيارة مهيأة من قبل الله فهي فرصة يجب أن تجني منها الثمار، فطلبوا منه أن يسجل عدة تسجيلات للمملكة لتذاع عبر موجات الإذاعة، فلم يتردد الشيخ (عبد الباسط ) ، وقام بتسجيل عدة تلاوات للمملكة العربية السعودية أشهرها التي سجلت بالحرم المكي وحرم المسجد النبوي الشريف، (لقب بعدها بصوت مكة). ولم تكن هذه المرة الأخيرة التي زار فيها السعودية وإنما تعددت الزيارات ما بين دعوات رسمية وبعثات وزيارات لحج بيت الله الحرام.

من بين الدول التي زارها الهند لإحياء احتفال ديني كبير أقامهُ أحد الأغنياء المسلمين هناك، حيث فوجئ الشيخ ( عبد الباسط ) بجميع الحاضرين يخلعون الأحذية ويقفون على الأرض وقد حنَوْا رؤوسهم إلى أسفل ينظرون محل السجود وأعينهم تفيض من الدمع يبكون إلى أن انتهى من التلاوة وعيناه تذرفان الدمع تأثرًا بهذا الموقف الخاشع.

لم يقتصر( الشيخ عبد الباسط ) في سفره على الدول العربية والإسلامية فقط وإنما جاب العالم شرقًا وغربًا شمالًا وجنوبًا وُصولًا إلى المسلمين في أي مكان من أرض الله الواسعة، ومن أشهر المساجد التي قرأ بها القرآن هي المسجد الحرام بمكة والمسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة والمسجد الأقصى في القدس وكذلك المسجد الإبراهيمي في الخليل ب
( فلسطين ) ، والمسجد الأموي في دمشق ، وأشهر المساجد بآسيا وأفريقيا والولايات المتحدة وفرنسا ولندن والهند والعراق ومعظم دول العالم، فلم تخلُ جريدة رسمية أو غير رسمية من صورة وتعليقات تظهر أنه أسطورة تستحق التقدير والاحترام.
وحصد عدة تكريمات دولية، حيث تم تكريمه في سوريا ومنح وسام الاستحقاق، كما حصل على وسام الأرز من ( لبنان) ، بينما منحته ( ماليزيا ) الوسام الذهبي للدولة، وغيرها من الدول الأخرى.

أُصيب بمضاعفات مرض السكري أواخر أيامهِ وكان يحاول مقاومة المرض بالحرص الشديد والالتزام في تناول الطعام والمشروبات ولكن تزامن الكسل الكبدي مع مرض السكر فلم يستطع أن يقاوم هذين المرضين معًا، فأصيب بالتهاب كبدي قبل رحيلهِ بأقل من شهر فدخل المستشفى إلا أن صحته تدهورت مما دفع أبناؤه والأطباء إلى نصحهِ بالسفر ليعالج مرضه في مستشفيات لندن، ولقد مكث بها أسبوعًا، وكان بصحبتهِ ابنه ( طارق ) فطلب منهُ أن يعود بهِ إلى مصر.
غاب عن عالمنا، بعد إصابته بوعكة صحية شديدة بأمراض الكبد.
وتوفي يوم الأربعاء 30 نوفمبر عام 1988 عن عمر يناهز 61 عاماً،
وكانت جنازته وطنية ورسمية على المستويين المحلي والعالمي، فحضر تشييع الجنازة جمع غفير من الناس يتضمنهم سفراء دول العالم نيابة عن شعوبهم وملوك ورؤساء دولهم تقديرًا لدورهِ في مجال الدعوة بأشكالها كافة.
رحم الله روحه الشريفه وأسكنه فسيح جناته.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

قد يعجبك ايضا
تعليقات