تقارير وتحقيقات

نوابع الدراعمة 9 فضيلة الأستاذ العلامة الشيخ أحمد بن مصطفى المرا

 

تقرير د _ بدران رياض

ولد في مركز المراغة بمحافظة سوهاج بصعيد مصر لأسرة تنتمي إلى النسب الشريف الممتد إلى سيدنا الحسين بن على وفاطمة الزهراء رضي الله عنهما ، وحفظ القرآن الكريم منذ نعومة أظافره ثم أرسله والده إلى الأزهر أسوة بأخيه الأكبر المصلح النابغة فضيلة الشيخ محمد المراغي شيخ الأزهر بعد ذلك ، ومعهم أخ آخر هو الشيخ أبو الوفا المراغي ولكن بريق دار العلوم كان يخطف أبصار طلاب الأزهر في ذلك الوقت فالتحق الشيخ أحمد المراغي بدار العلوم ، وهو مثال الجد والهمة العالية في التحصيل فتلقى العلم علي كوكبة من علمائه ، وتأثر بأصحاب التيار التجديدي ،مدرسة الشيخ محمد عبده وتخرج في دار العلوم عام 1909م
فاشتغل الشيخ أحمد المراغي بعد تخرجه في دار العلوم بالتدريس في بعض المدارس وتولى نظارة بعضها وتم انتدابه للتدريس بمدرسة دار العلوم العليا مدرسا للعلوم العربية والشرعية فأفاد وأجاد وعين أستاذا للعلوم العربية والشريعة الإسلامية بكلية غوردون بالخرطوم فأشاد به الطلاب والزملاء.
ونبوغ الشيخ أحمد المراغي ظهر في الحقيقة في مؤلفاته القيمة وأجلها على الإطلاق مؤلفه الضخم في تفسير القرآن الكريم المعروف بتفسير المراغي فالكتاب يعتبر من أهم كتب التفسير التي صنفت في العصر الحديث، فقد بدأ بشرح المفردات ثم عرج إلى المعنى الإجمالي للآيات، وتعرض لأسباب النزول، ولكنه آثر الابتعاد عن مصطلحات العلوم مما بذل فيه المفسرون السابقون جهدا عظيما ،ولكن قراء العصر الحديث لا يميلون إلى هذا النهج وقد يصعب على الكثير منهم استيعابه ، فهو لا يرغب في إبعاد المسافة بينه وبين قرائه المثقفين بالثقافة العصرية ؛ لذا فإنه أنه سلك في تفسيره المسلك والأسلوب الذي يتوافق طبيعة هؤلاء القراء، وأثناء قيامه بالتفسير فكانت له استشارات في الآيات التي أشارت إلى بعض النظريات مع الأطباء وعلماء الفلك والمؤرخين والحكماء ليدلي كل برأيه فيما تمهر فيه كما أشار شيخنا الدكتور حسين الذهبي في كتابه القيم التفسير والمفسرون.
ولم نعرف من رجال هذه المدرسة – مدرسة الشيخ محمد عبده – رجلاً تأثر بروح الأستاذ الإمام ، ونهج على طريقته من التجديد وإطراح التقليد ، والعمل على تنقية الإسلام من الشوائب التي ألصقت به ، وتنبيه الغافلين عن هديه وإرشاد ، مثل الأستاذ الشيخ أحمد المراغي فقد تربى هذا الرجل في مدرسة الأستاذ الإمام ، وأهلته هذه المدرسة لأن يحمل بين جنبيه قلباً مليئاً بالرغبة في الإصلاح ، والثورة على كل ما يقف في سبيل الإسلام والمسلمين .
وقد نهج شيخنا المراغي في تفسيره منهج شيخه الشيخ محمد عبده ، فنراه لا يخوض في مبهمات القرآن بالتفصيل ، ولا يدخل في جزئيات بعيدة عن روح الإسلام – وابتعد عن الروايات الموضوعة أو الضعيفة وترفع أن يزج بها في تفسيره ، وكذا الأخبار الإسرائيلية ليست بمقبولة عنده ، في غالب أحواله ، ومما يمتاز به هذا التفسير عند شيخنا المراغي، عنايته بإظهار أسرار التشريع التشريع الإسلامي ،وحكمة التكليف الإلهي ، ليظهر محاسن هذا الدين القويم، ويكشف عن أساليب هدايته للناس كما نجده يعرض لمشاكل المجتمع وأسباب الانحطاط في دول الإسلام ، فيعالج كل ذلك بما يفيضه الله عليه من بيان هداية القرآن وإرشاده . فقد كان بصيراً بمواطن الداء وأسباب الشفاء ، فجعل هدفه في دروسه علاجها واستئصالها ، ومن هنا وجه خطابه الى أرباب الحل والعقد في الدول الإسلامية .
ولشيخنا طريقة وسطية للجمع بين القرآن والعلم الحديث ، رغم اعتقاده أن القرآن قد أتى بأصول عامة لكل ما يهم الإنسان معرفته والعلم به وكراهته أن يسلك المفسر للقرآن مسلك من يجر الآية القرآنية الى العلوم ، أو يجر العلوم الى الآية ، كي يفسرها تفسيراً علمياً يتفق مع نظريات العلم الحديث ، ولكن مع ذلك كان يرى أن يكون المفسر ملما ببعض نظريات العلم الحديث ، ليستطيع أن يأخذ منها دليلاً على قدرة الله ، ويستلهم منها مكان العبرة والعظة .
وتفسير الشيخ المراغي هذا من أشمل التفاسير لحاجة العصر في اسلوبه وفي طريق سرد المطالب وبيان المقاصد ، متجنباً القصص المدسوسة والخرافات الدخيلة . ولا يغفل في أي مناسبة اللجوء الى علوم الطبيعة فيما يمس فهم كتاب الله العزيز من ثم فهو تفسير جيد مفيد في ذاته .
ولشيخنا مؤلفات أخرى منها كتابه القيم “الوجيز في أصول الفقه” وهو مطبوع في مجلدين كتاب قيم نفيس ، من اكثر الكتب فائدة لقارئها مما له من ميزة السهولة العبارة وكثرة الأمثلة التي توضح الفكرة بلا غموض أو التباس وهو كتاب جيد في أسلوبه السهل الممتنع ويتناول الموضوعات الأصولية بمنهج علم رصين و بموضوعية تنم عن نزاهة مؤلفه العلمية وامتلاكه لناصية البيان العربي فقد ضبط التعاريف ضبطا متقنا وعرض الآراء في أمانة في حيادية تامة فقد الجمع في الكتاب بين القواعد والمبادئ والضوابط الأصولية،وتجنب طرح الموضوعات الأصولية الجزئية مع العرض المبسط لمبادئ أصول الفقه، والاعتماد بشكل مباشر على المراجع الأصلية في الموضوع.
ومنها كتاب “الحسبة في الإسلام” – رسالة مطبوعة – بدأها ببيان ثم تتطرق إلى معناها الاصطلاحي الشرعي ثم بين أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكيف تحولت الحسبة من أوامر شرعية إلى مؤسسة قائمة لها وظيفة الحفاظ على المقومات الأساسية التي يقوم عليها المجتمع وهي من الخصائص الخالدة للمجتمع الإسلامي ثم تتطرق إلى أصناف المحتسبين فمنهم من يعين من قبل السلطة الحاكمة وهذا له صلاحيات أوسع من المتطوعين ولا يستغني المجتمع عن الصنفين ويبن شيخنا الفارق بين المحتسب والقاضي ثم عدد شروط المحتسب والصلاحيات المخولة له وقدم شيخنا عرضا تاريخيا موجزا لتاريخ الحسبة في الدولة الإسلامية وبين العقوبات الشرعية المختصة بالقاضي والأخرى التي يمكن أن يقوم بها المحتسب مع توضيح الفرق بين العقوبات المنصوص عليه في قوانين الفقه الإسلامي والأخرى المرتبطة برؤية السلطة التنفيذية والتي تسمى بالتعزير وعلى الجملة فالرسالة على صغر حجمها يمكن عدها من تجديد الدرس الفقهي في باب الحسبة.
أما كتاب علوم البلاغة المتمثلة في البيان والمعاني والبديع فقد عرضها شيخنا بصورة ميسرة بعيدا عن التعقيد والغموض متأثرا بنهج المدرسة التجديدية للأستاذ الإمام محمد عبده
ولشيخنا أحمد المراغي أيضا كتاب تعليمي في النحو هداية الطالب إلى قواعد اللغة العربية في النحو الصرف والبلاغة وهو كتاب ساهم فيها شيخنا المراغي في تقريب علوم اللغة إلى أذهان الطلاب الذين تعلموا في المدارس الرسمية خارج الأزهر ، وله أيضا بالاشتراك مع الأستاذ محمد علي سالم فقد قام شيخنا وزميله “تهذيب التوضيح” وهو عبارة عن تقريب لكتاب التوضيح على ألفية ابن مالك لابن هشام الأنصاري المصري مع حاشيته التصريح للشيخ خالد الأزهري بحذف ما يراه غير متعلق بالدرس النحوي من مباحث المنطق وفقه اللغة والاختلافات الدقيقة للمدارس النحوية فجاء ملائما للطلاب في عصرنا الحاضر من غير إخلال بقواعد اللغة الأساسية التي ينتفع بها الطلاب بلا دخول في تفصيلات وتحليلات قد لا يحتاج إليها في مراحل الطلب الأولية والمتوسطة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: