دينيمقالات رئيس مجلس الادارة

وصف الجنة من الكتاب والسنة الجزء الثاني

 

نستكمل معا اليوم الجزء الثاني من وصف الجنة كما جاء في الكتاب والسنة النبوية

أبواب الجنة

أبوابها :

تعال- أخي- نطرق أبواب الجنة لنسيح بفكرنا في ملكوت الله فيها وما أودع فيها من بديع الأسرار لعباده الأخيار. قال تعالى:(حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها ) [الزمر73  ] قال رسول الله صل الله عليه وسلم : “وما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء,ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء” ( مسلم )  ،  وكيف لا يكون لها أبواب كثيرة: وهي التي عرضها السماء والأرض قال تعالى: ( سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء و الأرض )  [ الحديد 21 ]

فهي جنة عالية غالية عظيمة ذات أبواب واسعة عظيمة تليق بسعتها وتدل على علو منزلتها وقدرها. قال رسول الله صل الله عليه وسلم  :“إن ما بين المصراعين في الجنة مسيرة أربعين سنة, يزاحم عليها كازدحام الإبل وردت لخمس ظما”  (السلسلة الصحيحة للألباني)

ولقد جعل الله لكل باب أهلاً, فهناك باب للتوابين, وباب للمتصدقين وباب للمجاهدين وباب للكاظمين الغيظ وباب للصائمين.  قال رسول الله صل الله عليه وسلم : “من أنفق زوجين في سبيل الله نودي في الجنة: يا عبد الله هذا خير.فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة, ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد, ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة, ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان, فقال أبو بكر: يا رسول الله, ما على أحد من هذه الأبواب من ضرورة, فهل يدعى أحد من هذه الأبواب؟ قال: نعم ! وأرجو أن تكون منهم” ( البخاري و مسلم ) ،  فهلا اخترت أخي الحبيب. باباً من هذه الأبواب العظيمة؟ وهلا نسجت مفتاحها بجميل الطاعة وزاد التقوى؟

فبادر إذا ما دام في العمر فســـــحة

            وعد لك مقبــول وصرفك قيــم

وجد وسارع واغتــنم زمن الصبا

             ففي زمن الإمكان تســـعى وتغنم

وسر مسرعاً فالموت خلفك مســرع

              وهيـهات ما منـــه مفر ومهزم

واعلم أن مفتاح الجنة إنما هو توحيد الله جل وعلا وتحقيق لا إله إلا الله, فقد قال رسول الله صل الله عليه وسلم : “من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة”. وسئل الحسن البصري:” أن ناسا ًيقولون من قال لا إله إلا الله دخل الجنة فقال من قالها وأدى حقها وفرضها”.

فتوحيد الله مفتاح الجنة,وأسنان ذلك المفتاح هي الأعمال الصالحة كأداء الفرائض والقيام بالواجبات والنوافل وسائر القربات.فاعمل –يا عبد الله – فمادة المفتاح بين يديك ومهارة صناعته قد فصلت لك أيما تفصيل فإن رغبت عن ذلك فلم نفسك يوم العرض على الله.

نسأل الله لك ولنا حسن الخاتمة.

بناء الجنة وتربتها

 توجد على  وجه هذه البسيطة أبنية فخمة وقصور مشيدة ومساكن وغرف..لكنها مهما علا قدرها وجمالها ومهما تطاول بنيانها وعلوها.. لا تشبه ما في الجنة من مساكن وبنايات إلا في الاسم فقط.

ففي الجنة من سحر المساكن وجمال القصور وتعالي الغرف وتلألؤ الخيام,ما تقر به العين وتسكن إليه النفس وكيف لا وخيامها من لؤلؤ, وقصورها من ذهب وفيها من فاخر الأثاث وكواعب النساء وطيب الشراب ولذيذ الطعام مالا يخطر على بال.

غرف الجنة:

وأما غرف الجنة فلا تسل عن قوة بنائها وإحكام أركانها وبهاء منظرها وتلألؤ مظهرها. قال رسول الله صل الله عليه وسلم  :”إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغائر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم, قالوا: يا رسول الله: تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم ؟ قال: بلى, والذي نفسي بيده: رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين” (البخاري ومسلم)

فتأمل : في مكان هذه الغرف.. إنها كالكواكب في علوها وتلألئها.. وانسيابها في الفضاء, نعم إنها عالية شامخة.. أعدها الله للمؤمنين لما استعلوا عن الكفر والفجور والفسق.. لما خضعوا لله في الدنيا بفعل الأوامر وترك النواهي, رفع الله قدرهم وأسكنهم في تلك الغرف المتعالية. واقرأ إن شئت- أخي الكريم- قول الله جل وعلا: ( لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية ) [ الزمر20 ]

ألا يا عين ويحك أسعديني

                         بغزر الدمع في ظلم الليالي

لعلك في القيامة أن تفوزي

                          بخير الدار في تلك العلالي

فشمر: يا عبد الله فإن سلعة الله غالية, إن ثمنها تقوى الله وطاعته,وإنها ليسيرة على من يسرها الله عليه ، واستبق هذا الخير العظيم, وهذا النعيم المقيم, فإنه لحمق وغرور, أن يستبدل المرء هذه الدنيا وهذا الخراب! بما عند الله من بديع الغرف الآمنة الهنيئة قال تعالى:( فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون) [سبأ37 ]

خيام الجنة:

والجنة مساكن تتلألأ.. فكما أن غرفها كالكواكب الغائرة, فكذلك خيامها لآلئ مجوفة.. قال رسول الله صل الله عليه وسلم  ” إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها في السماء ستون ميلاً, للمؤمن فيها أهلون, يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضاً” (البخاري و مسلم)  ،  إنها لؤلؤة واحدة طولها ستون ميلاً.

فتأمل : وانظر كيف سيكون إعجابك بها حين تدخلها.. وكيف تكون نشوتك وسعادتك وأنت ساكنها وحولك الحور العين تستأنس بهن وتسمع غناءهن ولحنهن الأخاذ.. وتنبه- أخي- إلى  أن ثمن دخولك هو الإيمان الذي يستلزم الانقياد لله سبحانه بفعل الخيرات وترك المنكرات والعبودية لله وحده,واعلم- أخي الكريم- أن المؤمن لما زهد في الدنيا بقلبه, ولم يزين له حب الشهوات من ذهب وفضة, أثابه الله على ذلك الورع و الزهد بأن أسكنه جنته.

قصور الجنة:

أما قصور الجنة فهي من ذهب ولؤلؤ وزبرجد وفضة.. فلا يعلم حسنها وبهاءها إلا الذي خلقها وبناها سبحانه وتعالى. قال رسول الله  صل الله عليه وسلم : “ دخلت الجنة فإذا أنا بقصر من ذهب فقلت لمن هذا القصر؟ قالوا: لشاب من قريش, فظننت أني أنا هو. فقلت: ومن هو؟ قالوا عمر بن الخطاب”  (الترمذي و قال حسن صحيح) .

فبادر بالطاعات قبل فوات الأوان.. واطمع فيما عند الله من جنات ونعيم.. فإنما الدنيا لحظات وثواني.. وإنما أنت عابر سبيل.

تربة الجنة:

أما تراب الجنة فهو المسك والزعفران والدرمكة البيضاء (الدقيق الحواري الخالص البياض). فعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صل الله عليه وسلم  لابن صياد: ” ما تربة الجنة؟ قال: درمكة بيضاء مسك يا أبا القاسم, قال: صدقت” (رواه مسلم) ،  وعنه أن ابن الصياد سأل رسول الله صل الله عليه وسلم عن تربة الجنة. فقال:” درمكة بيضاء مسك خالص” (مسلم)  ، وقد تقدم في الحديث أن تربتها الزعفران.

إن كنت المحب لهذا العيش الرغيد ولتلك المساكن الطيبة, فاصبر نفسك على طاعة الله, واجتناب محارمه وأداء الصلوات والصيام والقيام في الظلمات..

فما هي إلا ساعة ثم تنقـــضي

                     ويدرك غب السير من هو صابر

عيون وأنهار الجنة

ولما كانت النفس البشرية تألف المياه والبساتين والأشجار وتسكن إليها فقد زين الله جل وعلا الجنة, وألبسها من بهاء الأشجار وعلوها وبركة الثمار ونموها وجريان الأنهار وسيولها وعذوبة العيون في أركانها,ما تقر به أعين عباد الله الصالحين.

عيون الجنة:

قال تعالى:( إن المتقين في جنات وعيون ) [ الحجر45 ]،  وقال سبحانه:  ( إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا_عيناً يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيراً ) [ الإنسان 5-6 ] ،  قال بعض السلف: “معهم قضبان من حديد حيثما مالوا مالت معهم”  *حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح  *

ما بالك بقوم سلكوا طريق النجاة.. وتزودوا بالطاعات واتقوا ربهم حق التقاة

فأورثهم الله تلك الجنات, تتفجر عيونها كل حين, تارة تمزج بالكافور فتكون باردة طيبة الرائحة,وأخرى بالزنجبيل فتكون حارة طيبة الرائحة, قال تعالى:

( ويسقون فيها كأساً كان مزاجها زنجبيلا _عيناً فيها تسمى سلسبيلا ) [ الإنسان 17-18 ]

وقال سبحانه:

( إن المتقين في جنات وعيون _ادخلوها بسلام آمنين ) [ الحجر 45-46 ]

فأحسن  -يحسن الله إليك,وصفِّ سعيك إلى الجنة بالصدق والإخلاص والعمل الصالح, يسقيك الله من عيونه وشراب جنته:

صفى المقرب سعيه فصفا له

                            ذاك الشراب فتلك تصفيتان

 وفي الجنة عينان: الأولى: عين الكافور: قال تعالى: (  إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا _عينا ًيشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيراً ) [ الإنسان 5-6 ]    وهذه العين يشرب منها المقربون الماء الخالص.وأما الأبرار فيشربونه ممزوجاً.

الثانية: عين التسنيم: قال تعالى: ( إن الأبرار لفي نعيم _ على الأرائك ينظرون _ تعرف في وجوههم نضرة النعيم _يسقون من رحيق مختوم_ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون_ ومزاجه من تسنيم_عينا ًيشرب بها المقربون ) [ المطففين 22-28 ]

أنهار الجنة:

وبين تلك القصور الذهبية, والخيام البهية تجري  أنهار عذبة لذة.. أعدها الله للمؤمنين ونوَّع أجناسها وشرابها, فمنها الماء ومنها العسل ومنها الخمر ومنها اللبن. قال تعالى: ( مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى)   [ محمد 15 ]

فماء الدنيا يأسن ويأجن من طول مكثه.. لكن مياه أنهار الجنة لا تأسن.. ولبن الدنيا تصيبه الحموضة إذا طال مكثه لكن لبن الآخرة لا يتغير طعمه, وخمر الدنيا كريهة المذاق كريهة الرائحة أما خمر الجنة ففيها من اللذة ما يبعث على الشرب, وعسل الدنيا تصيبه الأخلاط فلا يصفو, أما عسل الجنة فصاف لامع طري. فأين هي الدنيا من الآخرة؟ وكيف يحرص عاقل على لذة ناقصة فانية ويترك اللذة الكاملة الباقية؟ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور. وقد أخبرنا رسول الله  صل الله عليه وسلم أنه في إسرائه :” رأى أربعة أنهار يخرج من أصلها نهران ظاهران ونهران باطنان, فقلت: يا جبريل, ما هذه الأنهار؟ قال: أما النهران الباطنان فنهران في الجنة, وأما الظاهران فالنيل والفرات”  ( مسلم )

وتأمل في هذه الأنهار وما أودع الله فيها من خيرات لم تجر العادة بمثلها في الدنيا. وتأمل فيها وهي تجري في الجنة من غير أخدود, تحت القصور والمنازل والغرف وتحت الأشجار, قال تعالى:

( جنات تجري من تحتها الأنهار )  [ البقرة 25 ] ، وقال سبحانه: (تجري تحتها النهار)   [ التوبة 100 ] ،  وقال سبحانه:( تجري من تحتهم الأنهار )[ الكهف ]  ، أما الكوثر فهو نهر من أنهار الجنة أعطاه الله سبحانه وتعالى لرسوله صل الله عليه وسلم  :    ( إنا أعطيناك الكوثر )  [ الكوثر 1 ]  ، وعن أنس بن مالك عن النبي صل الله عليه وسلم :“بينما أنا أسير في الجنة, إذ أنا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف, فلت: ما هذا يا جبريل؟قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك, فإذا طيبه أو طينه مسك أذفر”

( البخاري  مع الفتح ) .

واعلم: أن هذه الأنهار تنساب متفجرة من الأعلى ثم تنحدر في نزول, فعن أبي هريرة رضي الله عنه  قال: قال رسول الله  صل الله عليه وسلم :” إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله , ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض, فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة, وفوقه عرش الرحمن, ومنه تفجر أنهار الجنة” ( البخاري ) وأخبر  صل الله عليه وسلم  :” إن في الجنة بحر العسل, وبحر الخمر, وبحر اللبن, وبحر الماء,ثم تنشق الأنهار بعد” ( الترمذي وقال حسن صحيح  )

فشمر- عن ساعد الجد فإن الأمر جلل.. إن الجنة حق.. ونعيمها صدق..

للاطلاع علي الجزء الاول  من هنا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: