الادبالمزيد

قراءة في مسرح هنريك إبسن “بيت الدمية إنموذجا”

بقلم الأديبة والناقدة / رانيا ثروت

كان شكسبير في كتاباته معنيا بالشعر والصور الشعرية والجمل الجذلة والتي تدور في فلك المدرسة الرومانتيكية بكل عناصرها والتي إنعكست على المسرح في ذاك الوقت ،فكانت النصوص المسرحية مشحونة بالمشاعر المتناقضة والأحداث الملحمية والتراتبية الكلاسيكية في الكتابة (بداية/عقدة/حل) خاضعة في أغلب أحوالها لتقاليد المجتمع بعين الرصد لا التغيير كما أن موضوعات المسرح عنيت بحيوات الملوك وشؤونهم بلغة شعرية منمقة عالية.
أما إبسن والذي سمي مسرحه بمسرح المجتمع (وذلك لأن كل مسرحية من مسرحياته تفجر قضية ما وتثير ردود فعل عنيفة،كما برع في التحليل الباطني لنفسيات شخصياته ،لذا خرجت أفعال شخصياته بالغة التركيز والعمق)كانت نصوصه تنتمي للمدرسة الواقعية التعبيرية .
إن هنريك إبسن أول كاتب مسرحي رئيسي يعالج مآسي الناس العاديين الذين يعيشون ظروفاً إعتيادية، مستخدماً في ذلك لغة الحياة اليومية.
ما قام به إبسن هو تنقية حبكات مسرحياته من العنصر الضاحك إلى حد كبير، مبتعداً عن ممارسات المسرح السابق له الذي استند إلى تقنيات اصطناعية,،فمسرحياته تخلو من المناجاة أو أحاديث تُسمع مصادفة أو ارتداء أقنعة.
كما قام عموماً بضغط عدد فصول المسرحية الكلاسيكية من خمسة إلى ثلاثة أو أربعة فصول.
وقد لقب إبسن أيضا (بأبي المسرح الحديث)
أكثر مايميز مسرح إبسن البساطة في عرض الأفكار العميقة والثورية المنتفضة على حدود المجتمع وتقاليده وإلتفاته للتفاصيل والتعبير عن مشكلات المجتمع بمنهجية طليعية باعثة على الثورة والتطور كذلك التجديد في تراتبية العرض المسرحي ليصبح (عرض /عقدة/ مناقشة) والمناقشة هي العامل الأساسي في العرض المسرحي هنا، حيث أن عرض القضية وإثارة الجدل حولها وتسجيل هذا الجدل لإعمال العقل كان الغرض الرئيس وراء نصوص إبسن المسرحية .
الحوار عند إبسن كان مكثفا بإستخدام الجمل الفعلية القصيرة وسلسا في إنتقاله من فكرة لفكرة دون وجود ثغرات منطقية أودرامية.
كتابات إبسن تعد مثالا حيا لإستخدام الرمزية بنوعيها :
1 – رمزية تجسيد المفاهيم ومعاني الشخصيات في النص المسرحي
2- الرمزية الخارجية المتمثلة في قيمة ما خارجة عن الشخصيات ورصد كيفية تعامل الشخصيات معها ومعالجتهم لها .
إن لإبسن فلسفة خاصة احتوت ثقافة عصره وسخرت من بعض القيم فيها بمنتهى الجدية والعمق بغرض نقد وتغيير هذه المفاهيم والقيم إعلاءا لقيمة الفرد وأهميته كما إهتم إبسن في أعماله برابطة الزواج القوية وقضايا الحب ومدى فهم المجتمع لها ولمدى أهميتها .
ودعوني أحدثكم عن مسرحية ” بيت الدمية ” لإبسن كنموذج لمدرسته الفكرية والنصية .
ملخص النص المسرحي :
هيلمر ونورا هما الشخصيتان الرئيسيتان في المسرحية. يصاب هيلمر زوج نورا بمرض خطير، فينصحه الأطباء أن يسافر إلى إيطاليا للاستشفاء. لكن المال لم يكن متوفراً، فاهتدت زوجته نورا إلى كروغشتاد، الموظف في أحد المصارف، ليؤمن لها قرضاً. ولكن، في ذلك الوقت، لم تكن القوانين تعترف بإمضاء المرأة على سندات القرض، وحيث أن زوجها كان يفضل الموت على الاقتراض، لم يبق أمام نورا إلاّ اللجوء إلى والدها، لكنه كان مريضاً ولا يمكنها مفاتحته بهذا الموضوع. وحين توفّى والدها، تعمد نورا إلى تزوير إمضائه وتحصل
على النقود .
ويسافر هيلمر للاستشفاء، ثم يعود لبيته معافىً دون أن يستفسر عن مصدر النقود التي حصلت عليها نورا. ثم يصبح مدير البنك الذي يعمل به كروغشتاد. وهناك، يقوم هيملر – لتمسّكه بالقيم والنظام الدقيق- بطرد كروغشتاد لتورطه بتزوير إحدى المعاملات المالية. فيلجأ كروغشتاد إلى نورا كي تشفع له عند زوجها، وتوافق لكنها تخفق. فيعمد كروغشتاد إلى تهديدها بإطلاع زوجها على سر القرض المالي، كما يهددها بتقديمها للقضاء لأنه اكتشف أن إمضاء والدها مزور. فتكرر محاولتها إقناع زوجها بالعفو عن كروغشتاد ولكن دون جدوى. فيعمد الأخير إلى إرسال خطاب إلى هيلمر يكشف فيه أمر القرض، ويهدده بكشف الأمر
للعلن وتشويه سمعته وسمعة زوجته .
يفقد هيلمر أعصابه، ويكيل لنورا سيلا من الاتهامات والشتائم. ولكن عندما يصله خطاب آخر من كروغشتاد يتراجع فيه عن تهديداته، تنفرج أسارير هيلمر، ويقفز صائحاً بفرح: لقد نجوتُ يا نورا، لقد نجوت. لينكشف أن ما أرّق هيلمر هو محافظته على سمعته وحده وحسب، أما زوجته فقد نسي ذكرها في هذه اللحظة. وهنا تتولّى نورا تقديم المقطع الختامي الشهير للمسرحية، فتقول:
نورا: سأخلع عن نفسي ثوب الدمية لأنني لم أعد أستطيع الحياة معك أكثر. كان أبي في ما مضى يسر إليّ برأيه في كل كبيرة وصغيرة فنشأت أعتنق آراءه نفسها، وإذا حدث أن كوّنت لنفسي رأيا مخالفاً كنت أكتمه عنه خشية أن أضايقه. وعندما انتقلت لأعيش معك انتقلت من يد أبي إلى يدك ووجدتك تنظم الكون من زاويتك الخاصة فتبعتك في الطريق المرسوم، أو تظاهرت بأنني أتبعك. أنت وأبي جنيتما عليّ. والذنب ذنبكما إذا لم أصنع من حياتي شيئا ذا قيمة. يجب ألا أعتمد إلا على نفسي وهذا ما يدفعني إلى الانفصال عنك. أريد أن أزن الأشياء بوحي من فكري أنا، لا من فكر الغير، وأن أرقى بنفسي إلى مرتبة الفهم والإدراك.وتصفق نورا الباب مغادرة.”

كان استخدام الرمز متعدد المواضع بداية من إهداء نورا الدمية لإبنتها في عيد الميلاد،إشارة منها أن ابنتها ستتحول في يوم من الأيام لدمية في بيت زوجها هي الأخرى ، مرورا بالدمى التي تكسرها ابنة نورا في إشارة رمزية لضعف وهشاشة المرأة الدمية ورمزية الألعاب المعطاة للولد كالسيف والحصان بكل ما تمثلة من قوة وسلطة وتوقيع نورا المزيف بدلا من والدها على الكمبيالة في إشارة قوية لرغبة المرأة في تولي زمام الأمور كالرجال و تعرية تضارب القوانين مع بعض المواقف الإنسانية التي تحتاج لعين أخرى لتقييمها ،حتى صفعة الباب التي كانت صفعة في وجه المجتمع ككل في وقتها والتي أنهى بها إبسن مسرحيته .
التمهيد للعقدة في بيت الدمية كان موفقا فختام الفصل الأول المتمثل في كشف بداية الأزمة مع كروجشتاد (الموظف المزور) وكذب نورا على زوجها فيما يخص المال التي إقترضته بتوقيع مزور لعلاجه من أزمته المرضية وابتزازها من قبل كروجشتاد الذي ساومها على إجبار زوجها ليرجع لوظيفته وإلا بلغ عنها السلطات في واقعة تزوير توقيع والدها كضامن للكمبيالة و تأنيب ضميرها وكلام زوجها اللاذع لها عن الكذب ومايفعله في تربية الأولاد وهدم البيوت ، فوضى الحقائق تلك مهدت بشكل جيد لإرتفاع وتيرة الأحداث ودرجة الترقب لدى المتلقي .
الاشارات الزمنية داخل النص كانت منغلقة على زمانها بالنسبة لنا الآن فلا يمكن تعميم النص في الوقت الآني لإنتفاء الضرورة ولحصول المرأة على حقوق عديدة كما تنبأ إبسن وطالب منذ زمن .
أما الحوادث الزمنية كعيد الميلاد وحفلاته كانت دافعا للأحداث ومؤطرا عاما للنص .
المكان لم يكن مؤثرا ، فما حدث في النرويج كان واقعا في أوروبا كلها في هذا الزمن لذا كانت الاشارات المكانية منفتحة ولكنها غير مؤثرة في مجرى الأحداث .

الشخصيات في أغلبها كانت ثلاثية الأبعاد فيما عدا بعض الشخصيات الثانوية مثل الوالد وكريستين ليندا والأطفال وآن ماري وهيلين والشيال واعتقد أن هذا التسطيح والتهميش كان مقصودا ومعبرا عن المجتمع البرجوازي الذي لا يهتم بالكهول و النساء والأطفال والخدم والشياليين وغيرهم من البسطاء والضعفاء .
ربما لا يعرف الكثيرون أن إبسن قام بتغيير النهاية إرضاء للمجتمع وقتها لما لاقاه من هجوم وقدح من قبل المجتمع والنقاد فجعل نورا تعود لتربي أطفالها ولكن النسخ الحديثة آثرت طبعا النهاية الأولى لأنها عبرت عما حدث بالفعل من تطورات مجتمعية .
والنهاية حمالة أوجه فلكل متلقي وجهة نظره فيها فهي متسقة مع أفكار إبسن الثورية و لو أنني كنت أرى أن يوازن بين قضية حرية المرأة وإلتزامها تجاه أولادها ومسئولياتهم مهما كانت راغبة في تلك الحرية .

من أعمال إبسن الهامة أيضا
عدو الشعب
البطة البرية
عندما نبعث نحن الموتى
قراءة ماتعة إن شاءالله

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: