الادب

المتسوّلة

بقلم/ رشا فوزي


في خضم يومك المشحون يا أمي، أين أقبع في أولويات أهتماماتك؟!
●طفلة أنا في الثامنة، تقف بانكسار أمام باب منزلها، وفي عينيها نظرة استجداء، لديها أمل بقلبها الصغير أن تتذكر والدتها اليوم معانقتها أو حتى منحها قبلة صغيرة قبل ذهابها إلى المدرسة، لكنها دوما ما تذهب مصحوبة بخيبة أمل :
_ لا تشرُدي كعادتك في الفصل، كوني يقظة ومنتبهة لدرسك.
أدركْت مع الوقت كم أنتِ مضغوطة بين عملك خارج المنزل وعملك داخله، متطلبات أربعة أطفال وزوج لا يُساعد مطلقا، فشعرت بالشفقة تجاهك :
_ أنظري يا أمي، لقد رتبت الفراش .
_ هذا واجب عليكِ، وإن سُمِيَ ما فعلتيه ترتيبا !
قالتها ساخرة وهي تعيد ترتيبه، بينما تجتاح قلبي الأخضر غِصة وأشعر برغبة في البكاء.
●مراهقة أنا في الخامسة عشر، أقف مترددة أمام المرآة، بينما أمي تشاركني الحجرة، مشغولة كعادتها بشيء ما، أخرق جدار الصمت القائم بيننا :
– أمي، هل أنا جميلة؟، يبدو لي أحيانا أن رأسي أصغر من جسدي!
تلتفت لي أمي برهة، تشبثت فيها بذاك الأمل وقد أضحى واهنا، لتقتله هي بضحكة رنانة قاسية انخرطت فيها غير مبالية بمشاعري، ثم تركتني بعدها دونما تعقيب، تخترقُني برودة لا أعرف مصدرها، أتخبط في خضم يم ثائر من الظنون والوساوس.
●فتاة عشرينية أنا، أفتتح حياتي العاطفية المتعطشة لمشاعر الحب والاهتمام بشدة بقصة حب فاشلة، أعود بعدها إلى المنزل أحمل بين ضلوعي قلب مكلوم يئن ويصرخ، يود أن يرتمي بصدر أحدهم ليجهش بالبكاء.
أجد أمي تجلس بحجرة المعيشة تشرب قهوتها، أدخل عليها ساهمة، أجلس على أحد مقاعد.
ضايقها اختراقي لوقت استرخائها، سألت حانقة :
_ماذا هناك ؟
التفت إليها أُمعن النظر في ملامح وجهها، لأرى عينين خلاتا من أي اهتمام حقيقي:
_ لا شيء!
أَجبتها بمرارة وأنا أترحم في نفسي على ذاك الأمل المسكين القابع داخل قبر شاهده تحت قدميها.
وفي نهاية عقدي الثالث كنت قد ألقيت بنفسي في أحضان الزواج؛ فقط لأبتعد عنها، فقد ضقت ذرعا أن تجمعنا جدران منزل واحد وتفصل بيننا عوالم وأكوان!
●امرأه أنا على مشارف الأربعين، تأقلم زوجي وأطفالي مع برودة مشاعري وشرودي شبه الدائم، جاهدت كثيرا لأشعرهم بحبي، ولأكون عكس أمي في كل شيء، لكني آمنت في النهاية بأن فاقد الشيء فعلا لا يستطيع أن يعطيه .
من فترة أصاب أمي مرض أقعدها عن الحركة؛ اتفقنا أنا وأخوتي على أن يستقبلها كل منا في منزله فترة من الزمن؛ وهكذا نتشارك في العناية بها.
عندما جاءت إلى منزلي كانت دائمة الشكوى؛ فهي وحيدة أغلب الوقت بينما أفراد هذا المنزل بأمورهم منشغلين.
هذا الصباح بينما أضع لها إفطارها وأدويتها في عُجالة على منضدة تجاورها بغرفتها، كانت تتابعني صامتة على غير عادتها، وما إن انتهيت حتى توجهت مسرعة نحو باب الغرفة حتى لا أتأخر عن عملي عندما وصلني صوتها مرتعشا بانكسار:
_ أتسامحيني يوما؟!
تجمدت مكاني برهة، ثم استدرت ببطء لأصطدم بعينيها مشبّعتان بالدموع، تطل منهما نظرة استجداء أعرفها جيدا، هرعت إليها أضمها إلى صدري، وأحتضن معها طفلة في الثامنة لم تزل واقفة بانكسار على باب الحياة في انتظار أن تفتحه لها أمها بكلمة واحدة :
_ أُحبُك !
تمت

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: