ديني

نعمة الستر

بقلم / حسن محمود الشريف

إنَّ نعمة الستر من نعم الله العظيمة, التي بِدُونها لا نَهْنَأُ بعيش, ولا يطيب لنا مُقامٌ بين أهلنا وفي بلدنا, هي نعمةٌ تناساها أكثر الناس, ولم يعرفوا قدرها ويستشعروا أثرها، إنها نعمةُ ستْر الله عليك.
قال رجلٌ لأحد السلف: كيف أصبحتَ؟ قال: أصبحت بين نعمتين, لا أدري أيَّتهُمَا أفضل: ذنوبٌ سترها الله -عز وجل-, فلا يستطيع أن يعيرني بها أحدٌ…
، وثناءٍ لا يعلم به أحدٌ من هؤلاء الناس،

وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذى رواه البخاري ومسلم : (كل أمتي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ, وَإِنَّ مِنَ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا, ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ, فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا, وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ, وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سترَ اللهِ عَنْهُ”
( متفق عليه).

يجلس الشيخ ( محمد الغزالي ) في محاضرة ليتحدث عن الستر، فيبكي بحرقة، ويقول: “إنني أعيش في ظل وارف من الستر تحت اسم من أسماء الله الحسنى “السِّتير” ولولا ستر الله “لافتضحت” فيشتد بكاؤه، ليفتح قلبك للبحث عن نعمة الستر التي يغفلها الكثير من المسلمين، التي لولاها لزكمت رائحة المعاصي أنوف أصحابها.
فعن عبدالله بن عمر- رضي الله عنهما – قال : “سمعتُ رسول الله – صلى الله عليه وسلم- يقول: ((إن الله يُدنِي المؤمنَ، فيضع عليه كنَفَه ويسترُه، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم، أيْ ربِّ، حتى إذا قرَّره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلَك، قال: سترتُها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته، وأما الكافر والمنافقون، فيقول الأشهاد: ﴿ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ [هود: 18])).

وقال جل في علاه: ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾ [لقمان: 20]؛ فالنِّعم الظاهرة نعمةُ الإسلام والقرآن، والنعمة الباطنة نعمة الستر الجميل، حتى جعله لباسًا يواري عورة ابن آدم وعيبه، فقال عز وجل: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ [الأعراف: 26].

ويأبى بعض الخَلْق إلا أن يكشفَ ذلك الستر، وينزع ذلك الرداء، فيسقط منه الحياء؛ فعند أبي داود – بسند صحيح – من حديث يعلى بن أمية: أن رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم- رأى رجلاً يغتسل بالبَراز بلا إزارٍ، فصعِد المنبر، فحمِد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((إن الله عز وجل حَيِي ستِّير، يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر)).

هكذا بعض الناس لا يهوى ستر الله عليه، فيسعى إلى خلعه ونزعه وتمزيقه، كما روى ابن وهب بسنده عن أنس قال: أُتِي عمر بن الخطاب بسارق، فقال: والله ما سرقت قط، فقال له عمر: كذبتَ ورب عمرَ، ما أخذ الله عبدًا عند أول ذنب، فقطَعه.

والستر نعمة عظيمة في أن يسترك الله بستره الجميل، فلا تفضح ، وروى البيهقي في الشُّعب أن بكرَا بن عبدالله المزني قال لأبي تميمة الهجيمي قال له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحتُ بين نعمتين: بين ذنب مستور، وثناءٍ لا يعلم به أحدٌ من هؤلاء الناس، لا والله ما بلغته ولا أنا كذلك.

ويُروى أن جَرِيرًا بن عبدالله البَجَلي كان عند الفاروق عمر في خلافته، ومعه جماعة من الناس، وهم ينتظرون الصلاة، فخرج من أحد القوم ريحٌ، وخاف عمر أن يحمل الخجلُ صاحبَ الريح على الدخول في الصلاة، فقال: عزمت على صاحب الريح أن يتوضَّأ فبادر جرير وقال: مُرْنا جميعًا أن نتوضأ، فسُرِّي عمر، وقال لجرير: رحمك الله، نعم السيد كنت في الجاهلية، ونعم السيد أنت في الإسلام.

وذكَر ابن قدامة في كتابه التوَّابين قصةً في بني إسرائيل أن موسى عليه السلام خرج يومًا يستسقي، فلم يرَ في السماء قزعة – أي سحابة – واشتد الحرُّ، فقال موسى: يا رب، اللهم إنا نسألك الغيث فاسقِنا، فقال الله جل وعلا: يا موسى، إن فيكم عبدًا يُبارِزُني بالذنوب أربعين عامًا، فصِحْ في القوم ونادِ إلى العباد: الذي بارز ربه بالذنوب والمعاصي أربعين عامًا أن اخرُج، فقال موسى: يا رب، القوم كثير، والصوت ضعيف، فكيف يبلغهم النداء؟! فقال الله: يا موسى، قل أنتَ، وعلينا البلاغ، فنادى موسى بما استطاع، وبلغ الصوت جميع السامعين الحاضرين، فما كان من ذلك العبد العاصي – الذي علم أنه المقصودُ بالخطاب، المرقوم في الكتاب أنه يُنادى بعينه بين الخلائق، فلو خرج من بين الجموع، عُرِف وهتك ستره، وانفضحت سريرته وكشفت خبيئته – فما كان منه إلا أن أطرق برأسِه وأدخل رأسَه في جيب درعه أو قميصه، وقال: يا رب، اللهم إني أتوب إليك فاسترني، اللهم إني أتوب إليك فاسترني، اللهم إني أتوب إليك فاسترني، فما لبث موسى ومَن معه إلا أن أظَلَّهم الغيمُ، وانفتحت السماء بمطر كأفواهِ القِرَب، فقال موسى: يا رب، سقيتَنا وأغثتَنا ولم يخرج منا أحدٌ، فقال الله: يا موسى، إن مَن منعتُكم السقيا به تاب وسألني وأعطيته وسقيتكم بعده، فقال موسى: يا رب، أرني ذلك الرجل، فقال الله جل وعلا: يا موسى، سترتُه أربعين عامًا وهو يعصيني، أفأفضحه وقد تاب إليَّ وبين يدي؟.
معنى الستر الجميل
قال محمد بن أبي عمر :
سمعت سفيان بن عيينة يقول : يستحب للرجل إذا دعا أن يقول في دعائه : اللهم استرنا بسترك الجميل ،وقال سفيان : ومعنى الستر الجميل : أن يستر على عبده في الدنيا ثم يستر عليه في الآخرة من غير أن يوبخه فسأل الله أن يسترنا بستره الجميل .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: