ديني

المفهوم الشامل للوطن ” الجزء الثامن”


إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الثامن مع المفهوم الشامل للوطن، ولا عجب فحب الوطن من الإيمان وقديما قال الحكماء إن الحنين من رقة القلب ورقة القلب من الرعاية، والرعاية من الرحمة والرحمة من كرم الفطرة وكرم الفطرة من طهارة الرشدة أي صحة النسب، وطهارة الرشدة من كرم المحتد، أي الأصل وقال أخر ميلك إلى مولدك من كرم محتدك، وقال بعض الفلاسفة فطرة الرجل معجون بحب الوطن ولذا قال أبقراط يداوي كل عليل بعقاقير أرضه فان الطبيعة تتطلع لهوائها وتنزع إلى غذائها، وقالت الهند حرمة بلدك عليك كحرمة أبويك لأن غذائك منها وأنت جنين وغذاءهما منه وقال أخر من إمارات العاقل بره لإخوانه وحنينه لأوطانه ومداراته لأهل زمانه.

وكانت العرب إذا غزت وسافرت حملت معها من تربة بلادها رملا وعفرا أى ترابا، حتى تستنشقه عند نزلة أوزكام أو صداع، لذلك كانت السيدة عائشة رضي اله عنها دائما تقول “ما رأيت القمر أبهي ولا أجمل مما رأيته في مكة” وذلك كناية علي حبها وعشقها وشدة حنينها للوطن، فإن الوطن هو بضع أحرف تكون كلمة صغيرة في حجمها، ولكنها كبيرة في المعنى فالوطن هو بمثابة الأم والأسرة، وهو الحضن الدافئ لكل مواطن على أرضه، وهو المكان الذي نترعرع على أرضه، ونأكل من ثماره ومن خيراته، فمهما ابتعدنا عنه يبقى في قلوبنا دائما، هو الأرض التي نبت فيها الإنسان وترعرع، والسماء التي أظلته، والهواء الذي يتنفسه، والماء الذي يشربه.

والخير الذي يأكل منه، وقد تغنى الشعراء بحب الوطن، فقال أحد الشعراء، وطنى نشأت بأرضه ودرجت تحت سمائه ومنحت صدري قـوة بنسيمه وهوائه ماء الحياة شربته لما ارتويت بمائه وملأت جسمى عزة حين اغتذى بغذائه ولذلك يجب أن نحافظ على وطننا بالدفاع عنه وقت الخطر، وحمايته من كيد الأعادي، وفي وقت السلم نعمل مخلصين لرفع علم بلادنا عاليا، وفي الحرب نهب للدفاع عن الوطن ونقدم أرواحنا فداء له، وإن حب الوطن شعور كم خفقت به القلوب وشوق كم كلفت به الأفئدة وحنين يزلزل مكامن الوجدان، وحب أطلق قرائح الشعراء وهوى سُكبت له محابر الأدباء وحنين أمض شغاف القلوب وإلف يأوي إليه كرام النفوس وسليم الفطر.

وحب لم يتخل منه مشاعر الأنبياء وود وجد في قلوب الصحابة والأصفياء، بل هو شعور تغلغل في دواخل الحيتان تحت الماء ورفرفت لأجله أجنحة الطير في السماء، إنه أيها المسلمون حب الأوطان، فقال أهل الأدب إذا أردت أن تعرف الرجل فانظر كيف تحنته إلى أوطانه وتشوقه إلى إخوانه وبكاؤه على ما مضى من زمانه، وإن المحبة للأوطان والانتماء للأمة والبلدان أمر غريزي وطبيعة طبع الله النفوس عليها، وحين يولد الإنسان في أرض وينشأ فيها فيشرب ماءها ويتنفس هواءها ويحيا بين أهلها فإن فطرته تربطه بها فيحبها ويواليها، ويكفي لجرح مشاعر إنسان أن تشير بأنه لا وطن لهن وقد اقترن حب الأرض بحب النفس في القرآن الكريم، فقال الله عز وجل فى سورة النساء ” ولو أنا كتبنا عليهم أن أقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم “

بل ارتبط في موضع آخر بالدين، فقال الله تعالى فى سورة الممتحنة ” لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ” ولما كان الخروج من الوطن قاسيا على النفس فقد كان من فضائل المهاجرين أنهم ضحوا بأوطانهم هجرة في سبيل الله تعالى، فعن عبد الله بن عدي بن حراء قال، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا على الحزورة وهى السوق، فقال “إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت” رواه الترمذى، وقال العيني رحمه الله “ابتلى الله نبيه بفراق الوطن” ولما علم النبي صلى الله عليه وسلم، أنه سيبقى مهاجرا دعا بتحبيب المدينة إليه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: