ديني

أرطبون العرب وداهيته ( الحلقة الثالثة عشر) فتح برقة وطرابلس وفزان

د/ زمزم حسن

خرج عمرو بقواته من الإسكندرية في سنة 22هـ الموافقة لسنة 643م بعد أن اطمأن على استقرار الأوضاع في مصر، وتوجه نحو برقة التابعة للإمبراطورية البيزنطية، وتسكنها قبيلة لواتة البربرية، وبعث نفرٌ من جنده بقيادة عقبة بن نافع ليستطلعوا أحوال برقة ويوافوه بأخبارها قبل أن يتقدم إليها، فسار هذا إلى زويلة وأطراف برقة وما جاورها من البلاد وبعدما وصلته المعلومات قرر مواصلة السير لفتح كامل بلاد إنطابلس التي تعرف اليوم ببرقة. ولما بلغت خيل ابن العاص برقة، ضربوا الحصار عليها، وعرض عليهم عمرو ابن العاص الثلاث خصال التي عرضها على المقوقس وأهل مصر ومن قبلهم الشام، وهي: الإسلام أو الجزية أو القتال. ووجد أهل برقة أنه لا طاقة لهم بقتال المسلمين فقبلوا المصالحة على أن يؤدوا جزية للمسلمين قوامها 13 ألف دينار، وأن يبيعوا من أحبوا من أبنائهم في جزيتهم، وقيل كذلك دينار عن كل شخصٍ بالغ.

ثم تقدم عمرو بجنوده حتى طرابلس فحاصرها شهرًا لصمود المدافعين عنها. وأثناء الحصار وجه عمرو عقبة بن نافع لفتح فزان، فافتتح أجدابية صلحًا، ثم واصل حتى بلغ زويلة، فصالحه أهلها، وأتم فتح فزان. وأثناء حصار طرابلس استطاع جماعة من المسلمين الدخول بين أسوار طرابلس والبحر الأبيض المتوسط وقاتلوا حامية البحر، وصاح أفرادها «الله أكبر»، فترددت أصداء التكبير في أزقة المدينة وطرقاتها، فذعر المدافعون عنها، ودبت الفوضى في صفوفهم، فحملوا ما استطاعوا من متاعهم وأسرعوا إلى السفن وأبحروا عليها هاربين، ولما رأى الحراس فرار الحامية البيزنطية، تركوا مراكزهم، فدخل عمرو وجيشه إلى المدينة. ثم فاجأ ابن العاص أهل صبراتة بخيله، وفتحت أبواب المدينة عند أول هجمة إسلامية. وأرسل ابن العاص إلى عمر بن الخطاب يستأذنه في التوجه إلى بلاد إفريقية، لكن الخليفة أمره بالتوقف عند ذلك.

الخراج
كان عمر بن الخطاب يشتهر بغلظته وشدته مع الولاة، فكان من المسائل التي أغلط بها عمر على عمرو مسألة تأخر الخراج في أحد السنوات، فكتب عمر إليه:

« ، من عبد الله أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص، سلام عليك. أما بعد فأني فكرت في أمرك والذي أنت عليه، فإذا أرضك أرض واسعة عريضة رفيعة قد أعطى الله أهلها عددا وجلدا وقوة في بر وبحر، وإنها قد عالجتها الفراعنة وعملوا فيها عملا محكما، مع شدة عتوهم وكفرهم، فعجبت من ذلك، وأعجب مما عجبت أنها لا تؤدي نصف ما كانت تؤديه من الخراج قبل ذلك على غير قحط ولا جدب، ولقد أكثرت في مكاتبتك في الذي على أرضك من الخراج، وظننت أن ذلك، سيأتينا على غير نزر ورجوت أن تفيق فترفع إلى ذلك، فإذا أنت تأتيني بمعاريض تعبأ بها لا توافق الذي في نفسي. ولست قابلا منك دون الذي كانت تؤخذ به من الخراج قبل ذلك، ولست أدري مع ذلك ما الذي أنفرك من كتابي وقبضك، فلئن، كنت مجربا كافيا صحيحا إن البراءة لنافعة، ولئن مضيعا نطعا إن الأمر لعلى غير ما تحدث به نفسك، ولقد تركت أن أبتلى ذلك منك في العام الماضي رجاء أن تفيق فترفع إلى ذلك، قد علمت أنه لم يمنعك من ذلك إلا أن عمالك عمال السوء، وما توالس عليك وتلفف اتخذوك كهفا وعندي بأذن الله دواء فيه شفاء عما أسألك فيه، فلا تجزع أبا عبد الله أن يؤخذ منك الحق وتعطاه، فإن النهر يخرج الدر والحق أبلج ودعني وما عنه تلجلج فإنه قد برح الخفاء والسلام.»
وذكر المقريزي أكثر من كتاب بينهما في هذه المسألة كان آخرها رد عمرو:

« ، لعمر بن الخطاب، من عمرو بن العاص سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فقد أتاني كتاب أمير المؤمنين يستبطئني في الخراج ويزعم أني أحيد عن الحق، وأنكث عن الطريق، وإني والله ما أرغب عن صالح ما تعلم، ولكن أهل الأرض استنظروني إلى أن تدرك غلتهم، فنظرت للمسلمين فكان الرفق بهم خيرا من أن نخرق بهم، فيصيروا إلى بيع ما لا غنى بهم عنه، والسلام.»
وكان عمرو يجبي الخراج اثني عشر ألف ألف دينار، وجباها المقوقس قبله عشرين ألف ألف دينار، وجباها عبد الله بن سعد بن أبي السرح حين استعمله عثمان بن عفان أربعة عشر ألف ألف دينار.

عقاب عمر لعمرو وابنه
يُروى أن محمد بن عمرو بن العاص تسابق مع رجل من أهل مصر، فغلبه الرجل، فضربه محمد، فذهب الرجل إلى عمر بن الخطاب بمنى واشتكى له، فكتب عمر إلى عمرو بن العاص أن يأتي مع ابنه، ولما أتيا المدينة أمر عمر بتجريد محمد من ثيابه وضربه المصري بالسوط، ثم أمر بعمرو فخرقت ثيابه، عن أنس بن مالكٍ أنه قال: «بينما نحن عند عمر بمنًى إذ دخل عليه رجلٌ من أهل مصر فقال يا أمير المؤمنين إنني استبقت أنا ومحمد بن عمرو بن العاص فسبقته فعدى علي فضربني بين ظهراني المسلمين وهو يقول خذها وأنا ابن الكريمين فجئت أباه أستأذنه فيما صنع بي فحبسني أربعة أشهرٍ ثم أرسلني فخرجت في حاج المسلمين فجئت إليك لتأخذ مظلمتي فقال أعجل علي بعمرو بن العاص وابنه قال فأوتي بهما قال عمر ويحك ما بينتك على ما تقول قال الجند كلهم يا أمير المؤمنين من وافى الحاج منهم فسأل الناس فأخبروه ذلك فدعا بمحمد بن عمرٍو فجرد من ثيابه ثم أمكن المصري من السوط ثم قال له اضرب فضرب المصري وعمر يقول خذها وأنت ابن اللئيمين حتى تركه قال ونحن والله ما نشتهي أن يزيده حتى نزع عنه وقال عمر أما والذي نفسي بيده لو ضربته ما أمسكت يدك عنه ما ضربت ثم قال علي بعمرٍو فأوتي به شيخٌ أصلع فمزقت ثيابه ونحن والله نشتهي أن يوجعه ضربًا ثم قال اضرب فقال يا أمير المؤمنين إنه حبسني ولم يضربني قال أما والله لو ضربته ما أمسكت يدك عنه ما ضربت قل عمرو أما قد فعلت هذا لا نعلم لك قال أجل فاذهب حيث شئت والله يا معشر قريشٍ إن تريدون إلا أن تردوا الناس خولا ما مثلهم ومثلكم إلا كقومٍ اصطحبوا في سفرٍ فقالوا لرجلٍ تقدم فأمنا في صلاتنا وأقسم علينا فيئنا أفأساءوا بذلك أم أحسنوا».

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: