ديني

حق الوطن والمشاركة فى بنائه الجزء التاسع عشر

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء التاسع عشر مع حق الوطن والمشاركة فى بنائه، لذلك تجب المحافظة على الوطن والإخلاص له وبناؤه والمساهمة في ازدهاره والدفاع عنه إن لزم الأمر، وأنه لا ينبغي أن يكون شأننا مع أوطاننا قائما على حساب المصالح والمكاسب، فمن أعطي ما يريد بحق أو بدون حق رضي، ومن لم يُعط ما يريد ولو بغير حق انتفض، وشأنه في ذلك هو شأن من يتعاملون مع دين الله عز وجل بحساباتهم المادية الضيقة، ومما لاشك فيه أن خدمة الوطن شرف عظيم، والعمل على بناء الدولة ورفعتها ورقيها وتقدمها مقصد شرعي ووطني، لأن حب الوطن والولاء والانتماء له وإدراك مكانته قيمة إنسانية راقية، لا يشعر بها ولا يقوم بواجبها إلا أصحاب الفطر السليمة.

والمبادئ القويمة، فالوطن ليس مجرد بقعة من الأرض نعيش عليها، فالوطن حياة وهوية وأمانة، وإنه لما بلغ النبي الكريم صلى الله عليه وسلم الجحفة في طريقه إلى المدينة اشتد شوقه إلى مكة، فأنزل الله عليه قوله تعالى فى سورة القصص ” إن الذى فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد” أي لرادك إلى مكة التي أخرجوك منها، ومن هنا يقول سيد قطب رحمه الله في تفسير هذه الآية ” إنه يتوجه الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن خلفه القلة المسلمة التي كانت يومها بمكة، ويتوجه الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مخرج من بلده، مطارد من قومه، وهو في طريقه إلى المدينة التي لم يبلغها بعد، فقد كان بالجحفة قريبا من مكة.

وقريبا من الخطر، ولكن يتعلق قلبه وبصره ببلده الذي يحبه، والذي يعز عليه فراقه لولا أن دعوته أعز عليه من بلده وموطن صباه، ومهد ذكرياته، ومقر أهله، ويتوجه الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في موقفه ذلك فما هو سبحانه وتعالى بتاركك للمشركين” وعندما هاجر إلى المدينة، واستوطنها ألفها، بل كان يدعو الله أن يرزقه حبها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد” رواه البخاري، فهو يدعو الله بأن يرزقه حب المدينة أشد من حبه لمكة، لاستشعاره بأنها أصحبت بلده ووطنه التي يحن إليها، ويسر عندما يرى معالمها التي تدل على قرب وصوله إليها، ومثلما دعا بحبها فقد دعا لها.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة” رواه البخاري، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “اللهم بارك لنا في تمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مدنا، اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك، وإنه دعاك لمكة، وأنا أدعوك للمدينة بمثل ما دعا لمكة، ومثله معه” رواه مسلم، وكان من دعاء الخليل إبراهيم عليه السلام لمكة ودعاء رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم للمدينة فيظهر حبهما لتلك البقعتين المباركتين، اللتين هما موطنهما، وموطن أهليهما، ومستقر عبادتهم، ولقد اقترن حب الأرض في القرآن الكريم بحب النفس، فقال الله تعالى فى سورة النساء.

” ولو أنا كتبنا علسهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل ” وقد اقترن في موضع آخر بالدين فى سورة الممتحنة فيقول الله تعالى ” لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم ” فكل هذا يدل على تأثير الأرض، وعلى أن طبيعة الإنسان التي طبعه الله عليها حب الوطن والديار، وكذلك فإن ارتباط الإنسان بوطنه وبلده مسألة متأصلة في النفس، فهو مسقط الرأس، ومستقر الحياة، ومكان العبادة، ومحل المال والعرض، ومكان الشرف، على أرضه يحيا، ويعبد ربه، ومن خيراته يعيش، ومن مائه يرتوي، وكرامته من كرامته، وعزته من عزته، به يعرف، وعنه يدافع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: