الادب

ما وراء الحكايات

كتبت:نورهان حسام
وقفت في منتصف القاعة الممتلئة بالكتب تنظر إلى الركن الخاص بكتابها وعلى اسمها المحفور عليه.
لا تصدق أنها فعلتها! قد مضى من عمرها ثلاثون عاما وبمرور كل عام منهم لم تتخلَّ أبدا عن حُلمها: أن تصبح كاتبة.
أصوات الجمهور تعلو من حولها، تراقب الوجوه؛ لتحاول معرفة مدى رغبتهم في الحصول على كتابها.
وجدت شابة في بداية العشرينات تمسك بكتابها وتقرأ الملخص وعلى وجهها ابتسامة إعجاب ودهشة، أخذت الفتاة نسخة
وذهبت بها إلي البائع وسألته عن هوية الكاتب، وجدته يشير بأصبعه نحوها قائلا: «دي فرح علي كاتبة مبتدئة ودة أول أعمالها».
انطلقت الفتاة إليها وبحماس شديد قالت: «أنتِ إزاي قدرتي توصفي اللي جوايا كده؟ من أول حرف قريته، حسيت نفسي جوة الكتاب ده، شكرا لك.»
تملكتها السعادة بسماعها لتلك الجملة التي لطالما حلمت بها. تناولت الكتاب من الفتاة ودونت عليه إهداء يعبر عن
فرحتها ثم أعادته إليها شاكرة إياها على كلامتها الرقيقة.
لم تكن هذه الفتاة هي الأخيرة ولكنها كانت بداية لجمهور كبير جاء إليها ليبارك لها ويعبر عن حبه لما كتبت. البعض
كان يناقشها في أفكار القصص، أخذت تتحدث بطلاقة ولكن عيناها لم تفارق باب القاعة.
تنتظر قدوم أحد بعينه، يذهب أناس ويأتي آخرون وهي تنتظر.
مضى أكثر من ساعة ونصف، حتى ظهر خمسة رجال وامرأة، دخل كل منهم بمفرده، فلا أحد منهم يعرف الآخر.
وحدها هي من تعرفهم جميعا: الدكتور «كريم» الأستاذ الجامعي طويل القامة يرتدي ثيابا رسمية، يبدو عليه الوقار والغموض
عندما رأها؛ أومأ برأسه تحية لها وأنتظر أن تذهب هي إليه، ذهبت إليه بالفعل فقال: «مبروك يا أحلى تلميذة كانت عندي»
ابتسمت له كعادتها و قامت بإهداءه نسخة من الكتاب، قالت له: «هستنى أعرف رأيك في القصة رقم خمسة في الكتاب»
فتناول منها الكتاب قائلا: «رأيي دايما أنك عبقرية».
لم يبقَ طويلا كعادته حيث بارك لفرح مرة أخرى ورحل.
جاءت إليها «فاطمة» مسرعة واحتضنتها وهي تقول:
-شكرا ليكي يا فرح، فرحتي قلبي..
لم تكن فاطمة زميلة فرح في العمل فقط، لكنها من أكثر الداعمين لها في مشوراها الفني، ذات يوم قصت لها
نبذة عن حياتها، مدى شعورها بالوحدة وافتقادها لوالدتها التي توفت منذ سنوات عدة، استمعت فرح لها جيدا وفي نيتها
أن تدون ما تسمعه بكلماتها الساحرة وقد كان. مضت فاطمة وبين يديها كتاب يروي قصتها، جميل أن تخلد مشاعرك بالحروف.
اقترب شاب في الثلاثين من عمره من فرح، طويل القامة بشرته خمرية وعيناه الخضراوان تمتلئان بأحساسيس متضاربة، قائلا بصوت ضعيف:
-مبروك يا فرح أنت تستاهلى كل خير..
نظرت إليه فرح بسكون تام واكتفت بإبتسامة باردة ثم قامت بإعطاءه نسخة من الكتاب قائلة:
-كان ليك فضل كبير في أن مشاعري تطلع على الورق، دايما الإبداع بيتولد من الوجع..
تناول الكتاب منها، نظر إليها طويلا وكأنه يملأ عينيه بصورتها ثم غادر في هدوء. تتبعته حتى رحل وتساءلت:ألا يملك القدرة على الاعتذار؟ وهل إن فعل فهل ستقبله؟ وهل الإعتذار سيعيد إليها ما فقدته معه؟
جاء شاب آخر كان ينظر هنا وهناك حتى وقعت عيناه على فرح، اقترب منها قائلا:
-وأخيرا شفتك! احنا أتقابلنا بأرواحنا بس وجها لوجه لا..
يا تَرى قصتي موجودة في الكتاب؟ طب يا تَرى هلاقي إجابة على سؤالي اللي مردتيش عليه؟..
كانت فرح تنظر إلي الشاب تحاول أن تتعرف عليه، عندما قال هذه الكلمات؛ بدت عليها علامات المفاجأة؛ إنه هو ذلك الشاب الذي تعرفت عليه من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، أحبت أراءه وأفكاره ولكنها لم تتحمل أن يبقى وراء الشاشة فابتعدت عنه واكتفت بأن تسجل قصته في كتابها أما عن إجابة سؤاله فحتما سيجدها في قصته!
أخبرها بأنه لم يكن يعلم بكتابها ولكن وجد اسمها مدون على صفحة دار النشر المشاركة بها فقرر أن يأتي إليها؛ ليرى ذلك الوجه الذي لطالما تخيله جميلا.
غريب أن تجد الماضي متمثلا أمامك، يخبرك بأنه لم ينسَك يوما حتى بعدما رحلت أنت عنه!
امسك رجل في الأربعين من عمره بكتاب فرح وبسرعة دفع ثمنه للبائع وكأنه يقوم بمهمة ما وقبل أن يرحل، لاحظت فرح وجوده وذهبت إليه مسرعة، أوقفته، نظرت في عينيه وقالت:
-مش عاوزني أكتبلك اهداء؟
نظر إليها في حزن ثم قال:
-ملوش لازمة؛ طالما مش حاسة بيا يبقى مفيش كلام يتقال..
على الرغم من كلامته الحادة والتي جرحتها كثيرا وذكرتها بأنها كانت معه فارغة تماما من أي إحساس إلا أنها لا تملك حتى الاعتذار فعلى ماذا سوف تعتذر؟ هل نملك زمام قلوبنا؟
أصعب ما في الحب أنه ليس اختياريا، نشعر به رغما عنا ونهرب منه دون أن نعي ماذا نفعل.
بيد مرتعشة كتبت له بعض الكلمات التي ربما تداوي جرحه منها وأعطته الكتاب، راجية منه أن يقرأ القصة الثانية لعل كلماتها عنه تشفع لها!
أوشك حفل التوقيع على الانتهاء وكالعادته جاء متأخرا، رجل لطالما حملت اسمه،: إنه والدها!
بخطوات هادئة ويبدو عليها اللامبالاة، ذهب إليها وقال بصوته الرخيم:
-مبروك يا فرح، هو دة الكتاب، وماله صغير كده؟!
قالت وعينيها في عينيه:
-وهو صغير فعلا بس الكلمات اللي فيه صعب أي حد يفهمها..
لم يفهم يوما ماذا تقول، يا ليته يعلم أنه سبب في الكثير من خيباتها! ليته يعلم أن افتقادها له؛ جعلها تدخل في دوامة لا تستطيع الخروج منها حتى الآن، ربما حسنته الوحيدة أنه كان سببا رئيسا في خروج هذا الكتاب إلي النور.
انتهت حفلة التوقيع، مضى القراء يحملون كتاب وفي ظنهم أنها قصص من وحي الخيال، ومضى أبطال القصص يحملون نفس الكتاب وكل منهم يعلم عنوان قصته و مدون على الغلاف إهداء لن يفهمه أحدا سواه!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. أجمل ما في الحكاية الترتيب والمشاعر المنظمه في طريقة السرد ..فعلا تأثرت .. ممتاز جداً نورهان نرجو الإستمرار..

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: