مقالات

قطار “ما وراء الظلام”

 

د.نور الهدى محمد

“الألم والمعاناة نتيجة حتمية للذكاء المفرط والقلب الكبير.” 

فيودور دوستويفسكي

يقال أن كل شعور إنساني إذا تحول إلى موقف فكري صار فلسفة، والحزن إذا انتقل من طور الشعور إلى طور المعنى صار فلسفة.

هل سألت نفسك كيف تنظر إلى حزنك؟

في ليلة من ليالي فصل الخريف، رَكبتُ قطارا يُدعى “ما وراء الظلام” وتعمدت الجلوس جوار النافذة لأطلق العنان لفكري ليتأمل ما سيرى عند كل محطةٍ،

القطار مظلم، موحش وفارغ تماما، وضعت حقيبتي بجواري واستأنفت رحلتي..

 

المحطة الأولي:

رأيت مشهدا مهيبا، 

إنها امرأة شابة يبدو أنها قعيدة الفراش، تمسك بفرشاة وألوان تضرب بهم في أسى لوحة لها، وجوارها عدد كبير من اللوحات الحزينة…

أعرفها، هي فريدا كاهلو، أعلم أنها تعرفت على موهبتها جراء حادث منعها الحركة لمدة سنة كاملة، لم تكن ترسم، لكنها جراء الحادث تعرفت على موهبتها وصارت لوحاتها تجتاح العالم أجمع، تصف معبرة معاناتها وألمها

 

المحطة الثانية:

فتاة حوالي تسع سنوات -سأسميها نغم- تمرح في فناء مدرسة، جاءت إحدى زميلاتها وقالت: كم أنتِ قبيحة! ألا تتأففين حين النظر إلى المرآة؟ أم أن المرآة تبصق حين رؤيتك؟ 

دمعت عيني نغم ومضت بعيدا، يبدو أنها ليست المرة الأولى،

فإذا بها تجلس تحت شجرة وتشرع في بكاء شديد وكأنما الشجرة تنثني نحوها لطمأنتها، 

لم ألبث ورأيت فتاة تأتي نحوها لتجلس جوارها تمسك يدها وتبكي معها، على أنها لم تنطق حرفا إلا أن نغم نظرت إليها فتبسمت وهدأت نفسها..

أيُقوي الحزن روابطنا؟ أيُقوي رباطة جأشنا؟

 

المحطة الثالثة

في تلك المحطة وجدت لوحة امامي مكتوب بها “يسمح بالتجول” 

فنزلت عن القطار،

وتجولت في ليل غابة خريفية لأرى بعض الأوراق المتساقطة عن شجر يَصرفُ عن بنيانه حزن العام ببعض الضجر، استعدادات الإزهار الآخر، 

إذ بي أرى قصاصة مكتوب بها:

يستحيل أن تسأل إنسانًا عما إذا كان سعيدًا، إلا وقال إنه معذب لم يفهمه أحد.. نحن نشعر بشكل ما أن السعادة خطيئة والحزن فيه عمق ونبل.. لهذا نجد نبلاً في القهوة ولا نجده في عصير المانجو.

أحمد خالد توفيق

وأخرى مكتوب بها: 

“إنه الإخفاق مرة أخرى، لن ينتهي البؤس أبدا، وداعا يا ثيو، سأغادر نحو الربيع”

 فان جوخ في رسالته الانتحارية

أمسكت بالقصاصتين،

سمعت الجرس 

فتوجهت للقطار واتخذت مقعدي، 

وسرعان ما أخرجت قلمي:

~ الحزن هو الليل حين لا ينجلي بصباح وهو الظلمة حين لا يضيئها نور! ~

من الناس من ينتهي به حزنه إلى الانتحار، ومنهم من يدفعه إلى أبشع الجرائم وأشدها فتكا، ومنهم من يسمو بروحه فيشبعها رحمة، وقيل أن الرحمة منبعها الألم، وأرى أن الضراوة -أحيانا- لها نفس المنبع، ومنهم من يلد حزنه دافعا نحو المزيد من الفن، كان الرافعي يرى أن معاناة الحب دافعا نحو الكتابة والفن،

 أرغب في القول بأن الحزن لا يحمل النبل دائما كما يُقال عنه، المعاناة لا تُخرِج بالضرورة رحماء، فقد تخرج مرضى معادون للمجتمع يتسببون في المزيد من المعاناة والأذى، 

فمثلا: من الأشياء الشائعة في علم النفس، أن يحب رجل امرأة فتتركه وتخذله فيقوم بإلحاق الأذى بالمزيد والمزيد من النسوة كانتقام من حبيبة الأولى وكإثبات أنه قادر على الرفض ومستحق للحب،

رأيت شيئا مشابها من قبل؟ أليس كذلك؟

هذا ليس أقل مرضا من المطلقة التي سرعان ما تلجأ للتبرج وإغواء المزيد والمزيد من الرجال وبمجرد أن يتعلق بها أحد تتلذذ ثم تتركه…

الحزن ليس بالضرورة شعور نبيل، 

فهو يتحول أحيانا لتسلسل من الانتقام والأذى.

معدلات الانتحار عند الغربيين في غاية الارتفاع، أكثر بكثير من البلاد المسلمة، لا شك أن لديننا بصمته في ذلك.

دكتور عبد الرحمن ذاكر الهاشمي كان يتحدث في لقاء له عن أن البلاد الغربية عندها أعلى معدلات سعادة وأعلى نسب انتحار، فقال لأنهم يقيسون معدلات السعادة بمدى التقدم والحضارة، لا يقيسونه بالبعد النفسي!

صحيح بأن المعاناة تولد الإبداع أحيانا، لكن هنالك الكثير جدا من المبدعين لم يعانوا من أمراض نفسية وعقلية، لربما أتحدث عن ذلك فيما بعد،

المشهور أن الحزن لا شك جاء منهي عنه في أغلب آيات الله عز وجل وبأن الشيطان ليس هنالك أحب عنده من حزن العبد المؤمن لأن طول الحزن يوهن العزم ويؤثر على العبادة

 ولكني لا أجد الناس يتحدثون عن احترام الإسلام لشعور الحزن؟

هل فكرت بها؟

في ديننا يُثاب العبد المؤمن الصابر على مصيبته فمثلا سيدنا يعقوب لم يمنعه إيمانه من أن يصاب بالعمى حزنا على ابنه يوسف ( وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) ) سورة يوسف

لم يمنع رضا سيدنا محمد حزنه على ابنه إبراهيم حين قال (إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون).

فالإسلام دين يحترم الحزن ويثيب عليه، 

وَعنْ أَبي سَعيدٍ وأَبي هُرَيْرة رضيَ اللَّه عَنْهُمَا عن النَّبيِّ ﷺ قَالَ: مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حَزَن وَلاَ أَذًى وَلاَ غمٍّ، حتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُها إِلاَّ كفَّر اللَّه بهَا مِنْ خطَايَاه متفقٌ عَلَيهِ.

ولكن للحزن آداب في الإسلام تضبطه لئلا ينحرف عن مساره النبيل ولتجعله حقا يسمو بالنفس لمراتب التهذيب والسمو، ففي الإسلام لك الحق في الحزن وتثاب عليه ولكن:

-عليك أن تسلم لقضاء الله وقدره ويتشبع قلبك بذلك، 

   قال رسول الله ﷺ: عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ. رواه مسلم.

تستوقفني دائما جملة (ليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن)!

أي أن المؤمن فقط هو من يصبر حين المصيبة ويحتسب فيثاب بها فيكون ذلك خيرا له، 

إن التسليم الحق بأن كل ما يحدث لك خير من الله يعطيك قوة نفسية عظيمة تهون عليك كل أمر..

 

-تعبد الله في الحزن بالفرائض خاصة الصلاة، وتدعوه أن يخفف عنك بأدعية رفع الحزن، وتحاول أن تعطي الحزن حقه في الوقت لكن احذر أن تسترسل معه، فلا تجلعنه يُقعدك عن عزمك الديني والدنيوي، فيتملكك ويهلكك.

-لا تُكثر من الشكوى وخاصة أن تشكو الله إلى العباد فهذا خطأ ينافي الرضا، فإن كان الحديث من باب الفضفضة مع صديق أو غيره بدون اعتراض ولا جزع فلا بأس به ولكن لا تكثرن منه!

– نهى الله عن الصياح عند مصيبة الموت.

-جرم الله قتل النفس.

إن الإسلام يضبط لنا كل شيء فيكون ألمك رحمة لك ورفعة في درجاتك.

اضبط حزنك لأن الحزن وحش كاسر لا مفر منه. إما أن تروضه وإما أن يفتك بك!

الآن وصلت للمحطة الأخيرة، وضعت القصاصتين في حقيبتي ونزلت عن القطار.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: