القاهرية
العالم بين يديك
Index Banner – 300×600

الطريق إلى السعادة ” الجزء العاشر

94

إعداد/ محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء العاشر مع الطريق إلى السعادة، وإن كثيرا من الهموم والضغوط النفسية، التي تنعكس سلبا على صحة الإنسان وحياته سببها عدم الرضا، فمن حُرم لذة الإيمان ونعيم الرضا فهو في قلق واضطراب، وشقاء وعذاب، وخصوصا حينما يحل به بلاء، أو تنزل به مصيبة، فتسود الحياة في عينيه، وتظلم الدنيا في وجهه، وتضيق عليه الأرض بما رحبت، ويأتيه الشيطان ليوسوس له أنه لا خلاص من همومه وأحزانه إلا بالانتحار، وها هي حوادث الانتحار تزداد نسبتها، ويتفاقم خطرها وخصوصا في البلاد التي انحسر عنها ظل الإِسلام، وخبا فيها نور الإِيمان، وهم الذين عناهم الله تعالى، وأما من رضي بالله تعالى ربا وجد حلاوة في الرضا بالقضاء والقدر.

ومن رضي بالإسلام دينا وجد حلاوة في اتباع الشريعة، والعمل بها، والتحاكم إليها ومن رضي بالنبي صلى الله عليه وسلم رسولا وجد حلاوة في اتباع سنته، والتزام هديه، وإن من أعظم نماذج الرضا بالقضاء هو لمّا رحل نبى الله إبراهيم عليه السلام بزوجته هاجر وولده إسماعيل إلى مكة المقفرة من الماء والزرع، الخالية من الأحياء، ثم تركهما، وتوجه نحو الشام تعلقت به، ونادته من ورائه “يا إبراهيم، إلى من تتركنا؟ قال إلى الله، إلى الله، قالت، رضيت بالله” رواه البخاري، وفي رواية، قالت له، الله الذى أمرك بهذا؟ قال نعم، قالت إذن لا يضيعنا” رواه البخارى، فأكرمها الله تعالى على رضاها به، أن جعل ابنها إسماعيل عليه السلام رسولا نبيا، وأعظم كرامة نالتها في الدنيا.

أن جعل من نسلها إمام المرسلين، وخاتم النبيين، محمدا صلى الله عليه وسلم، وأن الرضا فيه السلامة من الاعتراض على أحكام الله الشرعية وأقداره الكونية، فإن أول معصية عُصي الله بها في هذا العالم إنما نشأت من عدم الرضا، فإبليس لم يرض بحكم الله الكوني من تفضيل آدم وتكريمه، ولا بحكمه الشرعي، من أمره بالسجود لآدم، فكان جزاؤه أن طرد من الجنة، وأن الرضا يورث حُسن ظن العبد بربه لعلمه أن الله تعالى لا يقضي قضاء إلا وفيه تمام العدل والرحمة والحكمة، وأن الرضا يغرس الحقائق الإيمانيةَ في القلوب كالاستعانة بالله تعالى، والتوكل عليه، والاستغاثة، والخشية، والإنابة، ونحوها، وأن الرضا يحقق الأمن النفسي لصاحبه، فهو يزيل الهموم.

ويخفف المآسي، وأن الرضا سبب لسلامة صدورنا، ونقاءِ قلوبنا، فيجعل القلب سليما، نقيا من الغش والحقد، والحسد والشحناء،لأنه يوقن بحكمة الله ورحمته في كل أقضيته الكونية والشرعية، يعلم أن لله تعالى الحكمةَ البالغة في إعطاء من يشاء، ومنع من يشاء، وإعزاز من يشاء، وإذلال من يشاء، وأن الرضا يخلصنا من الأزمات النفسية لأنه طارد للقلق والضجر،عند فوات مراد، أو حصول مكروه، وأن الرضا يورثنا الاتزان في السراء والضراء فيجعل المسلم يمضي في حياته على منهج سواء، لا تبطره نعمة، ولا تيئسه مصيبة، وأن الرضا يحول المحن إلى منح، والمصائب إلى أجور، فقد قال تعالى فى سورة التغابن” ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شئ عليم”

ومعنى الآية أن من أصابته مصيبة، فعلم أنها بقدر الله، فصبر واحتسب، واستسلم لقضاء الله، ورضي به هدى الله قلبه، وعوضه عما فاته خيرا في الدنيا والآخرة، وأن الرضا يثمر القناعةَ وعزة النفس، فالمؤمن يعلم أن رزقه مكتوب، وأنه لن يموت حتى يستوفي رزقَه، وأن العباد مهما حاولوا إيصال الرزق له، أو منعه عنه فلن يستطيعوا إلا بشيء قد كتبه الله، فينبعث بذلك إلى القناعة وعزة النفس، وترك التكالب على الدنيا، وقطع الطمع مما في أيدي الناس، وإن الرضا يوجب التواضع، فإذا رزق الله المؤمن مالا أو جاها أو علما، أو غير ذلك تواضع لله، لأن ما به من نعمة فمن الله، ولو شاء لانتزعها منه، وإن الرضا يثمر الشكر، وهو أعلى مقامات الإيمان، بل هو حقيقة الإيمان.

قد يعجبك ايضا
تعليقات