القاهرية
العالم بين يديك
Index Banner – 300×600

المدينة المنورة ” الجزء الخامس عشر “

67

إعداد/ محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الخامس عشر مع المدينة المنورة، وقد توفنا مع الملك العادل نور الدين زنكى، ووسط الهزائم التي ابتلت بها الدول الإسلامية ما لبثت أن ارتفعت راية الجهاد لتحرير الشام، من يد الصليبيين على يد شخصيات كتبت أسمها في التاريخ، أبرزهم القائد صلاح الدين الأيوبي، والظاهر بيبرس، وسيف الدين قطز، والمنصور قلاوون ونجليه، وكان نور الدين محمود، ابن عماد الدين زنكي، مؤسس الدولة الزنكية، من أعظم قادة المسلمين الذين حاربوا الصليبيين في الشام، ووقفوا أمام الدولة الفاطمية في مصر، ووصفه المؤرخون بأنه أعدل وأعظم الحكام المسلمين بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبدالعزيز، وقد تعلم القرآن والفروسية والرمي.

ووصفه ابن كثير بأنه كان شهما شجاعا ذا همة عالية وقصد صالح وحرمة وافرة وديانة بينة، ويعرف ابن كثير به قائلا “نور الدين صاحب الشام، الملك العادل، نور الدين، ناصر أمير المؤمنين، تقي الملوك، ليث الإسلام أبوالقاسم، محمود بن الأتابك قسيم الدولة أبي سعيد زنكي بن الأمير الكبير آقسنقر، التركي السلطاني الملكشاهي، وكان نور الدين حامل رايتي العدل والجهاد، قل أن ترى العيون مثله، حاصر دمشق، ثم تملكها، وبقي بها عشرين سنة، افتتح أولا حصونا كثيرة، وفامية، والراوندان، وقلعة إلبيرة، وعزاز، وتل باشر، ومرعش، وعين تاب، وهزم البرنس صاحب أنطاكية، وقتله في ثلاثة آلاف من الفرنج، وأظهر السنة بحلب وقمع الرافضة.

وقد اعتنى نور الدين بمصالح الرعية، فأسقط ما كان يؤخذ من المكوس، وأعطى عرب البادية إقطاعيات لئلا يتعرضوا للحجاج، وقام بتحصين بلاد الشام وبنى الأسوار على مدنها، وبنى مدارس كثيرة منها العادلية والنورية ودار الحديث، ويعتبر نور الدين أول من بنى مدرسة للحديث، وقام ببناء الجامع النوري بالموصل، وبنى الخانات في الطرق، وكان متواضعا مهيبا وقورا، يكرم العلماء، وكان فقيها على المذهب الحنفي، فكان يجلس في كل أسبوع أربعة أيام يحضر الفقهاء عنده، ويأمر بإزالة الحجاب حتى يصل إليه من يشاء، ويسأل الفقهاء عمّا يشكل عليه، ووقف نور الدين كتبا كثيرة ليقرأها الناس، وقيل أنه عندما التقت قوات نور الدين في حارم بالصليبيين.

الذين كانوا يفوقونهم عُدة وعددا، انفرد نور الدين رحمه الله تحت تل حارم، وسجد لربه عز وجل، ومرّغ وجهه، وتضرع وقال يا رب هؤلاء عبيدك وهم أولياؤك، وهؤلاء عبيدك وهم أعداؤك، فانصر أولياءك على أعدائك، ويشير نور الدين زنكى هنا إلى أنك يا رب أن نصرت المسلمين فدينك نصرت، فلا تمنعهم النصر بسبب محمود إن كان غير مستحق للنصر، وقيل أنه قال اللهم انصر دينك ولا تنصر محمودا، من هو محمود حتي ينصر؟ وقيل أن إماما لنور الدين رأى ليلة رحيل الفرنج عن دمياط في منامه النبي صلى الله عليه وسلم وقال له أَعلم نور الدين أن الفرنج قد رحلوا عن دمياط في هذه الليلة، فقال يا رسول الله، ربما لا يصدقني، فأذكر لي علامة يعرفها.

فقال قل له بعلامة ما سجدت على تل حارم وقلت يا رب انصر دينك ولا تنصر محمودا، من هو محمود الكلب حتى ينصر؟ فيقول فبهت ونزلت إلى المسجد، وكان من عادة نور الدين أنه كان ينزل إليه بغلس، ولا يزال يتركع فيه حتى يصلي الصبح، فتعرضت له فسألني عن أمري، فأخبرته بالمنام وذكرت له العلامة، إلا أنني لم أذكر لفظة الكلب، فقال نور الدين أذكر العلامة كلها وألح على في ذلك، فقلتها، فبكى رحمه الله وصدق الرؤيا، فأرخت تلك الليلة، فجاء الخبر برحيل الفرنج بعد ذلك في تلك الليلة، ويقول ابن الأثير في بيان فضله، قد طالعت تواريخ الملوك المتقدمين قبل الإسلام وفيه إلى يومنا هذا، فلم أرى بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبدالعزيز أحسن سيرة من الملك العادل نور الدين.

قد يعجبك ايضا
تعليقات