ديني

بيت الله الحرام “الجزء الخامس”

 

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

 

ونكمل الجزء الخامس مع بيت الله الحرام، وفي العصر الجاهلي وفي وجود النبي صلى الله عليه وسلم ولكن قبل مبعثه, عزمت قريش على هدم الكعبة وإعادة بنائها بعد حريق صدع بنيانها وأوهن حجارتها، ولكن لم يجرؤ أحد منهم على إحداث شيء في البيت إجلالا له وخوفا من نقمة تنزل بهم، فقال الوليد بن المغيرة أنا أبدأكم في هدمها، فتقدم إليها واقتلع منها حجرا وهو يقول “اللهم لا نريد إلا خيرا” ثم هدم من ناحية الركنين فقالوا “انظروا الليلة فإن أصيب لن نهدم منها شيئا، وإن لم يصبه شيء فقد رضي الله ما صنعنا” وأصبح الوليد من ليلته لم يصب بشر، فأتموا هدمه، ثم جمعت القبائل لبنائها، كل قبيلة تجمع على حدة ثم بنوها حتى بلغ البنيان موضع الحجر الأسود، فاختصموا فيمن يرفعه حتى تخالفوا وأعدوا للقتال.

 

فقربت بني عبد الدار جفنة مملوءة دما, ثم تعاقدوا وبنو عدي على الموت وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم فسموا لعقة الدم، ثم اتفقوا على تحكيم أول داخل المسجد فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوه قالوا هذا الأمين رضينا، فلما وصلهم أخبروه الخبر، فقال “هلم إلي ثوبا” ثم وضع الحجر فيه، وقال “لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب” فرفعوا جميعا، ثم وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة الطاهرة في مكانه، وأتموا بناءها بعد أن جعلوا لها بابا واحدا، ورفعوه ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا وسقفوها، وكانت في عهد إبراهيم غير مسقوفة، وجعلوا لها ميزابا، لتصريف الأمطار، ولأن النفقة كثرت بهم حيث اتفقوا ألا يدخلوا في بنائها إلا الطيب لم يستطيعوا إعادتها على قواعد إبراهيم، فبنوها على ما هي عليه الآن. 

 

وجعلوا الحِجر دلالة على أن هذا من البيت، والعامة يسمونه حجر إسماعيل، وهذا من الخطأ، لم يصنعه إسماعيل بل قريش هي التي عملت، وظلت الكعبة على بناء قريش حتى جاء سيل جارف في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فاقتلع السيل مقام إبراهيم وجرفه إلى أسفل مكة، فلما أن وصل الخبر عمر بن الخطاب رضي الله عنه قدم بنفسه من المدينة إلى مكة ورد المقام إلى مكانه ملاصقا للكعبة، ثم إنه أبعده بعد ذلك عن الكعبة إلى موضعه الآن حتى لا يضايق المصلين الطائفين، وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم باتخاذ مقام إبراهيم مصلى، فلم يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم لذلك لأنه لم ينزل عليه فيه شيء، فنزل قول الله عز وجل ” واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى” 

 

فوافق القرآن الكريم رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولما تولى عثمان بن عفان الخلافة رضي الله عنه اشترى دورا بجوار المسجد، ثم قام بتوسعته واتخذ له رواقا مسقوفا، وهو أول رواق أظل المسلمين، ولقد كان هذا البيت ولا يزال مكانا يأوي إليه الخائفون، ويرفع عنده حوائجهم السائلون، من نزلت به النوازل وتوالت عليه الكروب، أمّ البيت العتيق ورفع حاجته إلى الله من الملتزم أو من عند الحطيم وزمزم لما في نفوسهم من تعظيم لهذا البيت، وقد ذكروا أنه لما حج هشام بن عبد الملك دخل الكعبة فإذا هو بسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب يطوف, وبيده حذاء مقطع وعليه ملابس لا تساوي إلا دراهم، فاقترب منه وسلم عليه وقال “يا سالم ألك إلي حاجة؟” فنظر إليه سالم نظرة استغراب ثم قال “يا سليمان وهو خليفة المسلمين في ذلك الزمان. 

 

“أنا في بيت الله وتريد مني أن أرفع حاجتي لغير الله” لسان حاله يقول له أما تستحي ونحن في البيت العتيق، وعند الركن والمقام، كأنه يقول له أما تعلم أنه هنا تسكب العبرات، وترفع الدعوات، ثم تركه هشام يكمل طوافه بالبيت العتيق، فلما خرج تبعه, قال “أبيت ونحن في الحرم وقد خرجنا الآن” فقال له سالم “أرفع لك حاجة من حوائج الدنيا، أمن حوائج الآخرة” فقال سليمان “يا سالم حوائج الآخرة لا يملكها إلا الله، من حوائج الدنيا” فقال سالم “يا سليمان والله ما طلبت حاجة من حوائج الدنيا ممن يملكها فكيف أطلبها ممن لا يملكها” لقد كنا عظماء فانحنى الشرق والغرب لنا، ولم تزل الكعبة على بناء قريش حتى احترقت في أول إمارة عبد الله بن الزبير بعد سنة ستين من الهجرة لما حاصره بنو أميه, ورموا الكعبة بالمنجنيق فاحترقت وتصدعت حيطانها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: