المزيدديني

لله على الناس حج البيت الجزء الثامن عشر

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الثامن عشر مع لله على الناس حج البيت، وفي مشاهد الحج كلها تتذكر جموع الحجيج رحلة أبيهم إبراهيم عليه السلام وأمهم هاجر عليها السلام إلى هذا الوادى غير ذي زرع عند بيت الله المحرم، إلى هذه الصحراء الجرداء القاحلة التي لاتتحلى بالخضرة، وتتذكر مدى مقاومتهما لمحاولات الشيطان وقساوة المناخ، وإصرارهما على أن سلطان حب الله جل وعلا أقوى بكل الاعتبارات من سلطان الميل والهوى، وأن حب الله عز وجل هو المنتصر والميول والأهواء منكسرة أمامه لا محالة، ومنذئذ إلى يومنا هذا وإلى يوم يرث الله الأرض ومن عليها لاتزال وستظل جموع الحجيج ترمي بالحصيات عدوّها وعدو الله الشيطان الرجيم، مما يؤكد أن الجهاد ضد الميل والهوى والنفس الأمّارة بالسوء هو الجهاد الأكبر الأفضل.

والمسلمون في حجهم ولدى أداء مناسكه يتأملون إنفاذ أبيهم إبراهيم عليه السلام رؤيته في منامه بشأن فلذة كبده إسماعيل عليه السلام، فيتأكدون أنه لا عبودية لأحد إلا لله رب السماوات والأرض، ويتأملون اجتهاد السيدة هاجر عليها السلام للعيش في هذه الأرض التي لا زاد فيها ولا ماء وللإبقاء على حياة ابنها إسماعيل عليه السلام تنفيذا لأمر الله بشأن عمارة هذه الربوع المقدسة بعبادة الله وحده، فيتأكدون أن العمل الجاد المتصل والجد والكد له قيمته في حياة الإنسان على هذه الأرض حيث يفتح الطريق إلى الحياة وينفتح به كل باب مُغلق، ويعود الحجيج بهذه الدروس العظيمة من رحلة حجهم إلى بلادهم ليعيشوا عاملين مكافحين من أجل حياة أفضل، وغد أشد إشراقا، ومستقبل أكثر ازدهارا من الذي عاشوه في الماضى.

وعلى رمال عرفات وجبل عرفات يقفون خاشعين متذللين أمام الله يتذكرون كبرياءه، ويتلمسون معرفته، ويتضرعون إليها إقتداء بهدي رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، فيتأكدون أن حب الله أغلى قيمة في الكون وأن ذرة منه لا تساويها كنوز الدنيا كلها، وعلى هذا التراب الطاهر وربا حبل عرفات المعطرة بالمناجاة والخشوع يتصل المسلمون بربهم عن طريق الإنابة الخالصة وترتفع دعواتهم المفعمة بالرجاء والأمل في المغفرة والرضوان من الرب الغفور، وفي كل مكان من هذه الأمكنة من المشاعر المقدسة يشعر الحاج كأن ربه يستقبله، وغفرانه يباركه، وأنه تعالى يتغمده برحمته، فيعود من رحلة الحج كأنه قد ولدته أمه مغفور الذنوب والخطايا كلها، ويعود هو انسانا غير الذي كان من قبل، فهو معطاء للخير.

محب لكل فضيلة، متنكر لكل رذيلة،لا يعرف الحقد والحسد، والفحش والاعتداء، والكذب والبخل، والطمع والأنانية، والغيبة والنميمة، فإن كيانه كله خير وعطاء، وبذل وسخاء، ومودة ورحمة، وعطف وحنان، وسلام وتسامح، وابتسامة في وجه كل إنسان، يتمتع بنظرة جديدة كل الجدة إلى ذاته، وإلى الكون كله، والحياة كلها، والناس كلهم، بيديه نور الإسلام، وفي قلبه ضياء الإيمان، وعلى لسانه ذكر الله، وعقله مشرق بالأمل، وقلبه متفتح بريّا الحنان ولذة الذكر والشكر، كل من رآه آمن بأنه غير من كان قبل هذه الرحلة الإيمانية التي غيّرته اليوم كل التغيير، فهو اليوم المسلم المحبوب لدى الخلق المنشود لدى ربه، النافع لنفسه ولكل من حوله، بكل حركاته وسكناته، وجميع تصرفاته في الحياة، تلك هي المعاني التي يستوعبها الحاج في عبادته.

هذه التي تختلف عن غيرها من العبادات في الإسلام في مظهرها ومخبرها، فيعود وقد خلف ذنوبه على عتبة الماضي، واستحق جنة ربه يفضله ومنه، وصار إنسانا سويا عظيما قويما يساوي الملك في براءته من الذنوب، فإن الحج إكسير يقلب التراب تبرا ، ويحول الإنسان الملطخ بالذنوب الغارق إلى أذنيه في الخطايا، إنسانا بريئا من الذنوب براءة من ولدته أمه من ساعته، وذلك إذا حالفه التوفيق، وساعده الحظ، وقارنته السعادة، فهذه هى فريضةَ الحج، تلكم الفريضة التي عظمت في مناسكها، وجلت في مظاهرها، وسمت في ثمارها، إنها فريضة الحج التي تضمنت من المصالح ما لا يحصيه المحصون، ولا يعده العادون، تضمنت من المقاصد أسماها، ومن الحكم أعلاها، ومن المنافع أعظمها وأزكاها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: