ديني

بيت الله الحرام “الجزء الرابع”

 

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

 

ونكمل الجزء الرابع مع بيت الله الحرام، ولقد كان شرف البناء وقدسيته يحتاج لطهر الباني ونظافته القلبية من الشرك، ونظافته البدنية من الأقذار، وهذا متوفر في نبي الله إبراهيم وفي ابنه إسماعيل، ولقد عرفت قريش هذه القدسية للكعبة، فلما أرادوا تجديد بنيانها قالوا لا تدخلوا فيها إلا مالا من كسب طيب، ومن هذه المنطلق أيضا كان العهد لهما بصون هذا البيت من كل أشكال الشرك، وباشر إبراهيم البناء، وإسماعيل يحضر الحجارة المناسبة يناولها والده، حتى إذا كان عند الركن من الكعبة قال إبراهيم يا بني، ابغني حجرا كما آمرك، فانطلق الغلام يلتمس له حجرا، فأتاه به، فوجد أباه قد وضع الحجر الأسود في مكانه، فقال إسماعيل يا أبتى، من جاءك بهذا الحجر؟ قال من هو أنشط منك، جاءني به جبريل من السماء. 

 

وورد أن الحجر كان كأنه الياقوتة البيضاء، نزل مع آدم من الجنة، فسوّدته خطايا بني آدم، فهو اليوم أسود، ولما ارتفع البنيان وضع إبراهيم حجرا يقوم عليه ليرتفع كي يكمل البناء، فسمي هذا الحجر مقام إبراهيم، وعليه آثار قدمي إبراهيم، ولكن لو نظرنا إلى مقام إبراهيم عليه السلام فإنه لم يكن مرتفعا، فهل كان يكفي أن يصعد عليه إبراهيم فيبلغ أعلى الكعبة؟ هناك احتمالات ثلاث وهى إما أن إبراهيم كان طويل القامة، وبهذا لا يحتاج ليصل إلى أعلى البناء إلا إلى هذا القدر من الارتفاع، وأخرج البخاري عن سمرة، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “أتاني الليلة آتيان، فأتينا على رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولا، وإنه إبراهيم صلى الله عليه وسلم” فهذا الحديث يشهد بطول إبراهيم عليه السلام.

 

أو أن بناء الكعبة لم يكن مرتفعا كما هو اليوم، أو أن هذا الحجر كان بمثابة معجزة سخرها الله تعالى لإبراهيم بحيث ترتفع وتنخفض وتتحرك حول الكعبة حسب حاجة إبراهيم عليه السلام، وهذا ما قيل، لأن ذكر الحجر أو المقام في القرآن كان بمعرض المدح والأهمية والاحتفاظ بهذا الأثر ووضعه في المكان الذي يليق به، ولو لم يكن له هذه الميزة فلم يذكر بهذا الاهتمام؟ خصوصا وأن آثار قدمي إبراهيم فيه واضحة، ولو وقف الإنسان حافيا سنين طويلة لما أثر هذا في الصخر، فإن من تمام الإعجاز أن يخلد ذكر إبراهيم بأثر قدميه في الصخر، وقال الله تعالى ” واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى” والصلاة المقصودة ركعتا الطواف، بحيث لو انتهى الطائف من طوافه توجه خلف المقام وجعله بينه وبين الكعبة وصلى لله ركعتين. 

 

وفي الصحيحين أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم ألا اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فوافق هذا الرأي ما أراده الله فنزلت هذه الآية، وبعد إتمام بناء الكعبة من قِبَل إبراهيم وإسماعيل وهما يعملان بجد ونشاط بإقبال منقطع النظير، وحب لعملهما واغتباط في نيل هذا الشرف العظيم، وكان دليل فرحتهما التهليل والتسبيح والدعاء بتقبل هذا العمل، ولما أنجزا هذا العمل الرائع وانفتحت لهما أبواب الرحمة لرضا الله تعالى بما فعلا، أرادا اهتبال هذه الفرصة مِن الفيض الرباني، فتابعا الدعاء إشفاقا منهما على أهل هذه الديار التي شرفها الله ببيته الكريم ليكونوا من المؤمنين، فيجتمع لهم شرف الإيمان وشرف المكان، ثم أمر الله نبيه إبراهيم عليه السلام أن يظهر للناس هذا البيت ويدعوهم إليه.

 

ليعرفوا بيت الله وكعبته، ويروى أن إبراهيم عليه السلام قال وما يبلغ صوتي؟ قال تعالى” أذن وعلىّ البلاغ” فصعد إبراهيم جبل أبي قبيس ونادى يا أيها الناس، إن ربكم بنى بيتا وأوجب عليكم الحج إليه، فأجيبوا ربكم، وكان في كل نداء يتجه إلى جهة من الجهات الأربع، فأجيب مِن كل من كتب له الحج إلى يوم القيامة ” لبيك اللهم لبيك” وحج إبراهيم عليه السلام بالناس الحجة الأولى لكي يعلمهم كيفية الحج، وقد أمر الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يتبع ملة إبراهيم عليه السلام فقال تعالى فى سورة النحل ” ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين” وفي العصر الجاهلي وفي وجود النبي صلى الله عليه وسلم ولكن قبل مبعثه, عزمت قريش على هدم الكعبة وإعادة بنائها بعد حريق صدع بنيانها وأوهن حجارتها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: