ديني

الصدق وسيلة إلى الرضا الجزء الرابع

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الرابع مع الصدق وسيلة إلى الرضا، ولقد أخبرنا الله في كتابه أنه لن ينفع العبد ولن ينجيه من عذاب الله يوم القيامة إلا الصدق، ولذلك فقد كان من أدعية القرآن الكريم التي حث الله رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم على أن يدعو بها الصدق في المدخل والمخرج، ولقد أمرنا الله تعالى بأن نتحلى بهذا الخلق العظيم، وأن نكون مع الصادقين، وإن الصدق يشمل جوانب متعددة، وعلاقات متنوعة، ومن أهم ذلك الصدق مع الله، وذلك بأن يكون العبد صادقا مع الله في عبادته له وحده لا شريك له، والإخلاص لله، والمتابعة لنبيه الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وعبادته بالعبادات القلبية الباطنة والظاهرة، وصدق التوبة إليه، وإخلاص العمل له، وتصديق آياته، وما أخبر به عن نفسه من أسمائه وصفاته، وكذلك بصدق التوكل عليه، والاعتماد عليه، والثقة بما عنده، وما إلى ذلك، وإن في الصدق مع الله والإخلاص له تفريجاً للكربات، وإجابة الدعوات، وما قصة أصحاب الغار عنا ببعيد.

فقد أخرجها البخاري ومسلم مطولة عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيها أنه قال بعضهم لبعض ” إنه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلاّ الصدق، فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه، فدعا كل واحد منهم ربه بما عمله من عمل صدق فيه لله وأخلص له فيه، فكان أن جاء الفرج، ففرج لهم فرجة بعد أخرى حتى خرجوا من تلك المحنة، وكما ان الصدق من الأخلاق التي أجمعت الأمم على مر العصور والأزمان، وفي كل مكان، وفي كل الأديان، على الإشادة به، وعلى اعتباره فضله، وهو خلق من أخلاق الإسلام الرفيعة، وصفة من صفات عباد الله المتقين، وقد أنزل الله في شأن الصادقين معه آيات تتلى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فإن المؤمن لا يكون إلا صادقا مع ربه، صادقا مع نفسه، صادقا في تعامله مع غيره، فالمؤمن إيمانا حقيقيا تجده صادقا مع ربه في إيمانه، آمن ظاهرا وباطنا، آمن قلبه واستقامت جوارحه، يعلم بأن الله وحده هو المستحق أن يعبد دون سواه، عكس المنافق، آمن ظاهرا وكفر باطنا.

آمن اللسان وكفر القلب، والمؤمن إيمانا حقيقيا لا يخادع لأنه يعلم بأن الله عز وجل عالم بما يضمر وما يخفي، فقال تعالى ” قل إن تخفوا ما فى صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ” والمؤمن إيمانا حقيقيا صادق في دعوتِه إلى الله، يحب الخير لأمتة ويسعي في سبيل هدايتها وإرشادها وإخراجها مِن ظلمات الجهل إلى نور العلم، والمؤمن إيمانا حقيقيا واضح في منهجه، ظاهره وباطنه سواء ليس هدفه إبراز شخصه ولا أن يتحدث عنه، شعاره كما قال الله تعالى ” قل إن صلاتى ونسكى ومحيايا ومماتى لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ” والمؤمن إيمانا حقيقيا صادق في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، فتجده يأمر بالمعروف بصدق، وينهى عن المنكر بصدق، حريص على إنقاذ العباد من المخالفات الشرعية، والمؤمن إيمانا حقيقيا صادق في أداء الصلاة وإيتاء الزكاة وصومِ رمضان وحج بيت الله الحرام، وفق ما جاء في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا فإن الصدق هو سبب النجاة فى الدنيا والاخرة.

فقيل أن هاربا لجأ إلى أحد الصالحين، وقال له أَخفنى عن طالبي، فقال له نم هنا، وألقى عليه حزمة من خوص، فلما جاء طالبوه وسألوا عنه، قال لهم ها هو ذا تحت الخوص، فظنوا أنه يسخر منهم فتركوه، ونجا ببركة صدق الرجل الصالح، ويروى أن الحجاج بن يوسف خطب يوما فأطال الخطبة، فقال أحد الحاضرين، الصلاة، فإن الوقت لا ينتظرك والرب لا يعذرك، فأمر بحبسه، فأتاه قومه وزعموا أن الرجل مجنون، فقال الحجاج إن أقرّ بالجنون خلصته من سجنه، فقال الرجل لا يسوغ لي أن أجحد نعمة الله تعالى التي أنعم بها عليّ، وأثبت لنفسي صفة الجنون التي نزهني الله تعالى عنها، فلما رأى الحجاج بن يوسف صدقه، خلى سبيله، ونرى في سيرة السلف الصالح حرصهم الشديد على الصدق، فهذا الشيخ عبدالقادر الجيلاني يقول عقدت أمري منذ طفولتي على الصدق، فخرجت من مكة إلى بغداد لطلب العلم، فأعطتني أمي أربعين دينارا لأستعين بها على معيشتي، وعاهدتني على الصدق، فلما وصلنا أرض همدان.

خرج علينا جماعة من اللصوص، فأخذوا القافلة كلها، وقال لي واحد منهم ما معك؟ قلت أربعون دينارا، فظن أني أهزأ، فتركني وسألني آخر، فقلت معى أربعين دينارا، فأخذهم مني كبيرهم، فقال لي ما حملك على الصدق؟ فقلت عاهدتني أمي على الصدق، فأخاف أن أخون عهدها، فأخذت الخشية رئيس اللصوص، فصاح وقال أنت تخاف أن تخون أمك، وأنا لا أخاف أن أخون عهد الله؟ ثم أمر برد ما أخذوه من القافلة، وقال أنا تائب على يدك، فقال من معه أنت كبيرنا في قطع الطريق وأنت اليوم كبيرنا في التوبة، فتابوا جميعا بسبب الصدق، فما احوجنا فى هذه الايام الى الصدق مع الله ثم مع أنفسنا ومع الناس لان هذا مهم لنا فمن شاب على شئ شاب عليه ومن تربى على الصدق سيعيش على الصدق وسيموت عليه ومن نشأ وتربى على الكذب سيعيش عليه ويموت عليه، فلقد قال النبى صلى الله عليه وسلم ” دع ما يريبك الى ما لايريبك فان الصدق طمأنينة وان الكذب ريبة “

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى