مقالات

ما جاع فقير إلا ببخل غني

بقلم السيد عيد

اليوم الثانى والعشرون..
رؤيتها تنقلك إلى عالم متكامل من البؤس والشقاء والفقر مفرداته: صغار لا عائل لهم ،وأناس تكابد العيش، وتغالب هموم الحياة وعزة نفس تتسم بالرضا بما قسم الله.

على ناصية شارع فرعي بأحد الأحياء الشعبية كان تأخذ مكانها مع إشراقةصباح يوم الثانى والعشرون من رمضان يتكفف المارة ويستجدي الخيرين، أقعدتها عزة النفس عن الذهاب إلى أبواب المساجد أو استعطاف أحد إنها سيدة فقيرة ومعها ابنها الصغير خمس سنوات كانت عدتها في ذهابها للتسوق جراباً صغيراً وشنطة فارغة من قماش، وعباية وطرحة عفا عليهما الزمن في منظر يوحي بالفقر وقلة ذات اليد.

الست أمينة تستيفظ من نومها لتذهب للسوق لتجد تلك السيدة تسير أمامها وابنها فى يده رغيف عيش بلدى ملفوف وبداخله قرص طعمية ولكن استوقفها ذلك الحديث الذى دار بينها وبين ابنها الصغير.
الأم: يلا خلص ياعمر رغيف الطعمية اللى معاك علشان هنشترى حاجات حلوة م السوق وهبسطك ياواد .
واذا بالست أمينة تلمح السيدة وهى تلم بواقى الطماطم والبقدونس والخضرة الدبلانة الواقعة من البياع على الأرض الباقية من البيع، وبعدها تذهب لبياع الكرنب وتأخذ كرنبة صغيرة دبلانة بــ ٥ جنيه بالعافية بعد فصال طويل مع البياع.

لتبتسم لعمر ابنها وتقول له كدة المحشى جبناه فاضل الفراخ يا حبيبي.

فراخ!!! وقفت الست أمينة تشاهد فرحة الولد الصغير أول ما سمع هذه الكلمة وكأن فرحته تضاهى فرحة الأطفال بملابس العيد أو بشراء الحلويات أو ما يشترونه من كماليات.

وجدتها وقفت عند واحدة بتبيع رجول وهياكل الفراخ البيضا وقالت لها هاتى لى بخمسة جنيه هياكل …والنبى هُى اللى معايا وطلعت الخمسة جنيه وخدت حبة الهياكل وقالت لعمر آدى الفراخ جبناها هِىّ كمان الحمد لله يارب …. هييص يا ولا يا عمر هنطبخ النهاردة.
الحمد لله.. هيه هيه يا حلووولى…يا حلووولى…طب يلاّ يا أما بقى خلينا نروّح نعمل الاكل الحلو ده اخواتى هيظقططوا وهيفرحوا خالص.

إيه الناس الجميلة دى…إيه الناس الحامدة لله… ايه الناس الراضية دى!!!!!
إيه الام الحلوة العفيفة دى..اللى مخليا الدنيا جميلة فى عنين ابنها رغم الحرمان والفقر.
إييه الاخلاق والعفّة وعزة النفس دى!!!!!! اللى تخليها متمدش إيدها ولا تشحت وتصرّف أُمورها بأقلّ القليل
الناس دى بتعيش راضية وقنوعة فالسعادة الحقيقية في القناعة و الرضا و السلام الداخلي الذي لا تضاهييه كنوز الدنيا فهو حقاً “الكنز الذي لا يفني”.

وإذا بالست أمينة تبكى لما رأت غصت الدمعة بعينيها وتبركنت كرات دمها فثارت كرات الدم الحمراء على البيضاء لتعلن ثورتها على نفسها الضعيفة أمام هذه النفس القوية بنعمة الرضا فعلى الرغم من فقر تلك السيدة الا انها حامدة شاكرة لربها مشيت أمينة تكلم نفسها زى المجانيين ..ياترى فيه كام سيدة زيها فى مصر مش قادرة توفر تمن فرخة ووجبة مفيدة لاولادها تخيل اولادها وهما قاعدين قدام التلفزيون ده لو كان عندهم تليفزيون اساسا .. مستنيين هياكل الفراخ تستوى .. بيتفرجوا على اعلانات مطاعم الاكل الشهيرة بالوجبات العائلية من الفراخ المقلية : عمال يقول : تتكون الوجبة العائلية الجامبو من 20 قطعة دجاج مقلية ومتبلة بالخلطة السرية العجيبة بالاضافة الى كيس بطاطس محمرة والكاتشاب والمايونيز.

للأسف أصبح البعض منا هياكل تمشى على رجلين فلا يتذكروا الفقراء والمعدمين والمحتاجين إلا في هذا الشهر المبارك، مع أننا نجوع ونشبع، ونظمأ ونرتوي، في كل أيام العام.

اعطوا دون أن تجروحوا المعوزين، وتمرغوا أحاسيسهم بوحل الذل، ساعدوهم بصمت، نحن في شهر الخير كثيرون أولئك الذين يغدقون على الجوعى والفقراء في رمضان، فإذا ما انقضى هذا الشهر الفضيل لايتذكرونهم.

لماذا لا نبدأ بمراجعة النفس في رمضان، لنستلهم من هذا الشهر الكريم وقودا يدفعنا إلى رحلة إطعام الطعام خلال كل أيام العام ؟!
فما جاع فقير إلا ببخل غني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى