القاهرية
العالم بين يديك
Index Banner – 300×600

رمضان ويوم الفرقان ” الجزء الخامس “

104

 

إعداد / محمـــد الدكـــروى

 

ونكمل الجزء الخامس مع رمضان والفرقان، وقد توقفنا عند ماء بدر، وإن ماء بدر، هو البئر الذى كان لبدر بن أمية، أو قيل بدر بن الحارث، وهذا هو المكان الذى جرت فيه هذه المعركة، وفى العدوة الدنيا، كان الرسول صلى الله عليه وسلم وفى نهاية عرض الوادى، العدوة القصوى، هناك كان المشركون، ولقد كان أول شهداء معركة بدر، هو عبيدة بن الحارث بن عبدالمطلب فى النزال الثلاثى، ولما كان الالتحام كان مهجع مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، جاء ليشرب من الحوض، فنادى عليه عمر بن الخطاب يقول انتبه للنبال يا مهجع، فيرد عليه قائلا لا ينفع حذر من قدر، وهذا هو الراصد المشرك الذي عينته قريش أن يرصد مَن يرد على الحوض من المسلمين، بعد أن ملكوه، وقد مات كثير من المشركين حينما مات، دائخا من العطش، ورد مهجع وقد قدم الترس أمام وجهه حذرا من النبال ن ولم يستطع الرامى أن يطلق سهمه، وبعد أن ارتوى نهض فزلت قدمه فجاءه السهم حينما أراد، أن يتوازنن وتلاه عمير شقيق سعد بن أبى وقاص. 

 

وهو غلام ابن ستة عشر ربيعا أبى إلا أن يشارك في القتال فأوصاه سعد، كن كظلى ولكنها الحرب، كر وفر، ودخول وخروج وصراع وقراع ونزال، وفرسان ومشاة، وضوء وظلام، فالغبار يجعل الجو ليلا ثم ينجلي، فقد غاب عمير عن شقيقه، فجاء العاص المدجج بالسلاح من مفرق رأسه حتى أخمص قدميه، فوجد فى دم عمير غنيمة باردة، ولما علم سعد بالخبر انقض على العاص انقضاض الليث الهصور فجندله، فكان أربعة عشر شهيدا، فى المعركه فإنهم أحياء عند الله تعالى، فقد قدموا حياتهم ليحيا دينهم، فإنها ذكريات تجعل المسلم ينصهر فى تاريخه، ويولد ولادة جديدة ويحيا حياة جديدة، فقد كانت غزوة بدر المعركة الأولى الفاصلة فى التاريخ الإسلامى، فيها فرق الله بين الحق والباطل، وخذل الكفر وأهله، وقتل فيها صناديد قريش ومجرميها، وهي الحدث الذي غير مجرى التاريخ، وكانت البوابة الأولى لغزوات متتابعة أدت في النهاية للفتح الكبير وهو فتح مكة واندحار الكفر ورفعة الإسلام وأهله. 

 

فقال تعالى فى سورة الإسراء ” وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا” وقال ابن كثير، أنه ينبه الله تعالى على نعمته وإحسانه إلى خلقه بما فرق به بين الحق والباطل ببدر، ويُسمى الفرقان لأن الله تعالى أعلى فيه كلمة الإيمان على كلمة الباطل وأظهر دينه ونصر نبيه وحزبه، وكان نصر الله تعالى لهم بالرعب، وإن النصر بالرعب من خصائص نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كما فى الصحيحين من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ” نصرت بالرعب مسيرة شهر” وأيضا إمداد الله تعالى لهم بالملائكة، ولقد فضل الله تعالى من شهد بدرا من الصحابة الكرام، والملائكة على غيرهم، وأن من قُتل منهم نال الفردوس الأعلى، وفى هذا تنبيه عظيم على فضل أهل بدر، فإن هذا لم يكن في بحبحة القتال، ولا في حومة الوغى، بل كان من النظارة من بعيد، وإنما أصابه سهم غرب وهو يشرب من الحوض، ومع هذا أصاب بهذا الموقف الفردوس التى هي أعلى الجنان، وأوسط الجنة. 

 

ومنه تفجر أنهار الجنة، التي أمر الشارع أمته إذا سألوا الله الجنة أن يسألوه إياها، فإذا كان هذا حال هذا، فما ظنك بمن كان واقفا فى نحر العدو وعدوهم على ثلاثة أضعافهم عددا وعُددا، وأن أهلها مغفور لهم، ولقد أخبر رسول الله صلى اللهُ عليه وسلم بأنه لولا أهل بدر لم يصلنا الإسلام، ولقضي عليه معهم، فكانت ملحمة من ملاحم التاريخ ، وحادثة فرق الله بها بين الحق والباطل، فكانت هذه الملحمة قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة، في شهر رمضان، شهر الجهاد والفتوحات، فبين الصيام والجهاد علاقة وثيقة، وصلة عميقة، فالصيام مجاهدة للنفس والشهوات والشيطان، والجهاد مغالبة لأعداء الرحمن، وعندما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه فى ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا من المهاجرين والأنصار، وكانت راية المهاجرين مع مصعب بن عمير وعلي بن أبي طالب، وراية الأنصار مع سعد بن معاذ، ولم يكن معهم سوى سبعين بعيرا وفرسين، فكان الرجلان والثلاثة يتناوبون على ركوب البعير الواحد.

 

بما فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن عبد الله بن مسعود قال كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير، وكان أبو لبابة وعلي زميلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فإذا كان عُقبة يعني نوبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المشى قالا، اركب يا رسول الله حتى نمشي عنك، فيقول “ما أنتما بأقوى على المشي منى، وما أنا بأغنى عن الأجر منكما” وسار النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون إلى بدر، حتى نزلوا فى أدنى ماء من بدر، فقال الحُباب يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأى والحرب والمكيدة؟ قال “بل هو الرأى والحرب والمكيدة” فقال الحُباب يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم منزلة، ونغوّر ما وراءه من الماء ، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون، فقال صلى الله عليه وسلم “لقد أشرت بالرأى” وأخذ برأى الحباب، وفي هذا الموقف درس فى منهج الإسلام فى الشورى والرأى. 

 

فما كان أمرا لازما من الله فلا مجال للتقدم عليه أو التأخر عنه، وإنما الواجب إزاءه التنفيذ والالتزام، وأما ما كان من باب الرأي وتدبير أمور الدنيا وتقدير المصلحة فهو باب الاجتهاد بالعقل والاستشارة فى الرأى، وبينما المسلمون في بدر إذ لاح لهم جيش قريش، وكانوا قرابة الألف مدججين بالسلاح ، معهم مائة فرس، وستمائة درع، وجمال كثيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “اللهم هذه قريش جاءت بخيلائها وفخرها، تجادل وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتنى” وقام ورفع يديه واستنصر ربه وبالغ في التضرع، ورفع يديه حتى سقط رداؤه وهو يقول “اللهم أنجز لى ما وعدتنى، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض” فالتزمه أبو بكر من ورائه وقال حسبك مناشدتك ربك يا رسول الله، أبشر، فوالذى نفسي بيده لينجزن الله ما وعدك، ودنت ساعة الصفر، وبدأ النبي صلى الله عليه وسلم يسوى الصفوف بقدح كان فى يده ، فإذا بسواد بن غزيّة مائل عن الصف، فطعن فى بطنه بالقدح. 

 

وقال استوى يا سواد، فقال يا رسول الله أوجعتنى فقدنى، يعني يريد القصاص، فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه وقال استقد ، فاعتنقه سواد وأخذ يقبل بطنه، فقال صلى الله عليه وسلم” ما حملك على هذا؟ قال يا رسول الله ، قد حضر ما ترى ، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير، وقبل القتال، خرج ثلاثة من خيرة فرسان قريش للمبارزة، كلهم من أسرة واحدة، عتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة، فخرج لهم عبد الله بن رواحة وعوف ومعوذ ابنا عفراء، وكانوا من الأنصار فامتنع فرسان قريش من مبارزتهم، فقال صلى الله عليه وسلم قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة وقم يا على، فقتل حمزة شيبة ، وقتل علي الوليد ، واختلف عبيدة وعتبة حتى قطعت رجل عبيدة ، ثم حمل حمزة وعلي على عتبة فقتلاه واحتملا عبيدة معهم، ثم بدأ القتال العام، وشرع النبى صلى الله عليه وسلم يحرض أصحابه على القتال فقال ” قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض”

قد يعجبك ايضا
تعليقات