مقالات

رحلة إلى قاع الظلام

كتبت _نور الهدى محمد

” للرماد طعم مر بالعادة نألفه، ثم ندمنه، كالحياة تمامًا: كلما تقدم العمر بنا غدونا أكثر تعلقًا بها ،لأجل ذلك أُغادرها في أوج اشتعالي ..ولكن لماذا؟ إنه الإخفاق مرة أخرى. لن ينتهي البؤس أبدا.
وداعا يا ثيو، سأغادر نحو الربيع ” فان جوخ

بإلقاء نظرة إلى إحصائيات منظمة الصحة العالمية ..ففي عام 2016 كانت معدلات الانتحار في الولايات المتحدة تقدر ب 45 ألف منتحر، بينما كانت في مصر تسجل 3799 حالة انتحار في العام ذاته بمعدل منخفض عالميا ولكنها كانت في صدارة البلاد العربية ..
والملاحظ أنه بتتابع السنين يزداد معدل الانتحار بشكل ملحوظ حتى أن 2011 شهدت 18 ألف محاولة انتحار وظل الأمر يتزايد حتى احتلت مصر المركز ال96 عالمياً بعدما كانت ال150. ألا يستحق ذلك نظرة عميقة لأسباب تزايد معدلات الانتحار؟ ونظرة عميقة أخرى لأسباب انخفاض معدلات الانتحار في البلاد العربية مقارنة بالبلاد المتقدمة؟

إن الانتحار لم يكن أبدا رغبة في الموت وإنما عزوفا عن المعاناة، يرغب المنتحر في إنهاء سريالية تتابع الصدمات والألم . الجميع شاهد نادر وهو ينتحر من فوق برج القاهرة في حادث مضغ القلوب، فلِمَ يسوق المرء نفسه أو يُساق لمواجهة حتفه؟ نظريات نفسية واجتماعية واقتصادية كثيرة والجميع يصبُّ في أنَّ الانتحار هو مظنة الفكاك الأبدي من الألم. أميلُ في العادةِ للنظريات النفسية بيد أنني بدلا من أن أحدثك عن الفقر في ذاته بإمكاني أن أحدثك عن شعور العجز والألم الذي يلقاه الفقير، وبدلاً من أن أحدثك عن تفكك الأسرة أريد إبلاغك بأن قلة العلاقات الآمنة وقلة الشعور بالانتماء والوحدة قد يصلا بالعقل إلى الجنون ويزيدا الأفكار الانتحارية.

“انتبه أنت ترجع للوراء” هكذا كانت إحدى التحليلات النفسية التي ذكرها استشاري ومدرس الطب النفسي من جامعة المنيا محمد طه… نظرية النكوص “Regression ” ينص التحليل على أن الفرد حينما يتعرض للصدمات النفسية الشديدة أو أحاسيس الفقد يقرر العقل “لاوعيًا” أنْ يعود لآخر مرحلة عمرية شعر فيها بالأمان والاتزان النفسي، قد يعود لمرحلة الطفولة مثلاً فتظهر عليه كل علامات تلك المرحلة، المشكلة الحقيقة تكمن في لو أنه كلما عاد إلى الخلف وجد مرحلة عمرية مرتبطة بصدمة نفسية هي الأخرى، حينها يُصاب بما يُدعى نكوص غائي متقدم “progressive teleological regression” يؤدي إلى الفصام… وإلى ما هو أبعد من ذلك ولسنا بصدد الحديث عنه…
من هنا ينتابني دومًا شعور بأهمية العلاقات الاجتماعية الآمنة في حياة المرء؛ كأنهم حاجزٌ وفاصل أمان بين الشخص وفقدان عقله.

~غمامة الحزن تلوح في الأفق ..في حجرة مظلمة، يحفُّها هسيس صوت رد العشب على الرياح الباردة، في جوف الليل ..ثم لا يلبث السكون المخيف أن يعتلي الأفق ..أكتب إليكم أنني آسف لما حظيتم به من الألم ..كان جرمي كبيرًا ..لعل موتي يزيل هذه الصخرة الملقاه دائمًا على صدري ..أتمنى لو أن من جرّعوني الأسى أن يذوقوه معي عنوةً ..كانت رحلة بائسة للغاية ..هاهاها وداعا ~
من الشائع أن أغلب رسائل الانتحار تحتوي على “أنا آسف” وتحوي مزيجا انفعاليا بين الشعور بالذنب وقلة تقدير الذات والأسى على من يتركهم خلفه مع رغبة في الانتقام ممن تسببوا في غلبة الأشواك على زهر قلبه ..
و توماس جوينر متخصص علم النفس الإكلينكي من جامة فلوريدا في كتابه “Why people Die by suicide” رأى أنَّ كلًا من الشعور بالعبء والشعور بالوحدة هما الهيكل الرئيسي الذي يدفع المرء لتكوين أفكار انتحارية وكل منهما يغذي الآخر حتى يتخذ الشخص قراره .. الأمر في الانتحار يأتي تدريجيا .. عدم خوف من الموت أولا ثم شعور شديد بالوحدة يصحبه أو يليه شعور بالعبء على نفسه ومن حوله ..وتختلف قدرة البشر في تحمل الألم فما يراه البعض كارثيا قد يمر على قلب الآخر مرورًا هينًا علّه لا يصيب من روحه شيئا …فرفقا بقوارير الأرواح من البشر.

الأمر أحيانا جيني وطبي .. فبعض التعرض للضغوطات البيئية أو الإهمال الأسري أو اعتداء جنسي في الطفولة يُحدث تغيرا في المادة الوراثية DNA في بعض المناطق المهمة في المخ المسؤولة عن تنظيم المشاعر مثل قرن آمون hippocampus ونقص في السيروتونين في بعض مناطق المخ.. لعل هذه رسالة إلهيَّة لنا جميعا بأن نكون أكثر لطفا .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” حرم على النار: كل هيّن ليّن سهل، قريبٌ من الناس ” صححه الألباني: صحيح الجامع ٣١٣٥ .

التيه الروحي وفقدان المعنى يؤديان دائما للأفكار الانتحارية ..فهل حقا يساعد الدين في التأثير على سلوكيات المرء وزيادة قدرته النفسية على التحمل؟ إن أكثر ما يجعل معدلات الانتحار شديدة الغلو في البلاد المتقدمة هو في رأيي فقدان المعنى والتيه الروحي المصاحب بكثرة طغيان المادية البحتة وتناسي الجوانب الروحية وطغيان التفكير الإلحادي بأنّ الكون كله مصيره إلى الفناء .. كان أحد الممثلين في لقاء صحفي يقول ” إنني أعمل دائما ليل نهار لأنسى.. حتى لا أفكر في تلك الأفكار الوجودية ولماذا نحن هنا وما معنى وجودنا ..” في لفت كبير لما يعانيه من التيه الروحي .. إن حقيقة وجود بعث في الدين الإسلامي مثلًا وأنَّ الحياة لن تنتهي ها هنا، وهناك متسع في الاخرة تملؤه السعادة، والعدل بأن الظالم سيعاقب على ظلمه والمظلوم مُوكّل إلى ميعاد يُقضى إليه حقَّه فيه تَخلِق نوعا من الأمان والمعنى ..كما أن تحذير الدين الإسلامي من هتك النفس: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) سورة النساء ٢٩-٣٠ ،وجعل قتل النفس كبيرةً من الكبائر إلا إذا كان الشخص مرفوعًا عنه القلم في حالات ذهاب العقل بالمرض مثلًا ..لاجرم أن كل ما سبق ساهم في جعل البلاد العربية في مؤخرة البلاد من حيث نسب الانتحار.

ما دورنا نحن في دعم من يدفعهم الألم النفسي إلى الانتحار ؟
الحقيقة أن حملة “أريدك أن تكون حيا ” التي واكبت حادثة انتشار نادر في الظهور على مواقع التواصل الإجتماعي هي في غاية الخطورة ..بيد أن الشخص يحتاج إلى الكثير من العلاج النفسي العميق والروحي فمن الضروري أن يتوجه إلى معالج نفسي ويهتم بالجانب الروحي عوضًا عن المادية البحتة التي هيمنت على الحياة، خطورة الحملة تكمن في جعل المريض يتوجه إلى شخص قد يضره أكثر مما ينفعه بالتعامل الخاطيء مع حالته ..فقد يكثر من الوعظ الديني أو يفشي سره بغرض طلب المساعدة له أو يدلي بدلوه في قضية لا يعرف عنها سوى غلافها .. نحن بإمكاننا الدعم بأن نسمع هؤلاء ونشعر بحالتهم بنوع من التعاطف لا الوعظ ..أنْ نعيرهم دفئًا واهتمامًا يحميهم من الوصول لحافة الجنون، الأمر ليس في جلسة سماع واحدة فقد يستغرق الأمر شهورًا أو سنوات فعليك التحلي بالصبر وألا تتوقف في منتصف الطريق..
علينا أن نلحظ من حولنا، نشعر بمن يعانون من الحزن الشديد..فقدان الاستمتاع بالأنشطة أو الحديث المتكرر عن الأفكار الانتحارية أو حتى هؤلاء جياع الحصول على الانتباه من الاخرين فهذه وسيلة نفسية تعبر عن طفولة لم تلقى اهتمام من الوالدين أو الكثير من النبذ والرفض …اهتم بأمك وأبيك وأختك وأخيك وصديقك وكل من حولك برحمة بالغة بعيدة عن الوعظ وكثرة الأحكام ..

واخيرًا ..إن من دور الأدب والفن عامة التوعية ونشر دعوة الرفق واللين ..فكونوا رحماء فالليالي مُرجفة وكم من قلب مُدنَف وكم من وَحشة قاتلة ..
وكما قال –صلى الله عليه وسلم-: “أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال”. رواه مسلم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى