القاهرية
العالم بين يديك
Index Banner – 300×600

قراءة في رواية قارئة القطار لإبراهيم فرغلي

131

 

سهام_سمير

 

هناك روايات تنتهي منها ولا تنتهي منك، الأخيرة تنتمي لذلك النوع الذى ينقلك بين ازمنة مختلفة، فى حيز محدود من المكان، وتصل لنهايتها، فتجدك تنزهت عبر الأمكنة كذلك.

تبدأ الرواية برحلة عبر قطار، يجد البطل نفسه يتشبث به فى آخر لحظة قبل انطلاقه، فيكتشف حين يبلغ الحافة أن القطار كان منطلقا فى مساره قبل أن يصعد إليه، ومكملا مسيره بعدما ركبه أيضا، لكن الغريب أن الراكب لتوه لا يعرف وجهة القطار ولا ما جعله يلحق به!

يقابل البطل فى القطار القارئة التي ظن للحظة أنها الراكبة الوحيدة مثله، وأطلق عليها، زرقاء بعدما اكتشف أنها لا تبصر وتقرأ فى كتاب بلا توقف، ويعرف منها أنها لن تتوقف عن القراءة لأن قراءتها فى الكتاب هي وقود القطار، لولاها لتوقف القطار.

بعد قليل يتنقل بين العربات بغية اكتشافها، فيجد عربة تسمى عربة الحفل، ومن اسمها ومما توحي به من الخارج، أنها عربة تحمل مباهج الحياة التي افتقدها البطل منذ وجوده فى هذا القطار. لكن القارئة تخبره: بأنه بمقدوره الدخول لعربة الحفل، لكنه لن يستطيع الخروج منها، وهذا هو الشرط الوحيد.

بعد قليل يقابل توأم القارئة، وتخبره باسمها، “ذكرى” فيجد نفسه بين قارئة لا تتوقف عن القراءة فى كتاب يسمى “كتاب الأحلام” أو “الأوهام” وبين الذكرى التى تعده بقصة مشوقة وتضيف لوقته فى القطار، طرافة وجمال وحياة!

الغريب أن “ذكرى” هى الوحيدة التي توحي بالحياة فى هذا القطار.

فى منتصف الرواية، تبدأ القارئة بقراءة حكاية البطل لنا نحن القراء وله معنا، وتخاطبه في الحكاية بضمير المخاطب، إلى أن يطالبها بأن تحكيه بضمير الغائب.

من أجمل العبارات التي تطالعك فى بداية الفصول التالية عبارة

“كان ياما كان، كنت وكان ما كان”

كلمات تطرب أذنك وتجعلك في حالة ترقب وتشوق لسماع الحكاية.

مفردات الرواية أوحت بالغموض والضبابية، وخدمت بدقة أجواء الحكاية.

على الرغم من السلاسة الواضحة فى الكلمات والحكاية التي تبدأ بسيطة، تجد نفسك بمرور الوقت اشتبكت في الحكاية، وتداخلت معها، وحولك الكثير من علامات الاستفهام والأسئلة من النوع الذى يوصف بالسهل الممتنع.

محدودية المكان وهو القطار، توهمك بأنك لن تغادر حدوده، لكنك تعرف أن لكل مكان أبعاد ومحاور وزوايا، فتجد براح لم تحسب له حسابا.

الكتابة علاج، أغلبنا يعرف هذا الكلام، لكن ما تكتشفه في هذا الكتاب أن القراءة علاج من نوع آخر، فى القراءة تكتشف ذاتك وذوات الآخرين.

الرمزية فى الرواية جرعة دسمة، لكنها لا تتخم، وتهضمها بسهولة، لكن بعض الأطعمة تتلذذ بتناولها على مهل، والبعض الآخر تلتهمه بنهم.

علمتني هذه الرواية، تناول الوجبة الدسمة ببطء وعلى مهل.

من الرموز بالنسبة لي وعلى قدر ما فهمت، أن القطار يمرز للحياة أو الموت أو حياة البرزخ. وقد جعلتني الرواية أتنقل بين هذه المناطق الثلاث بخفة ويسر.

شعور أخير وصلت له حين انتهيت، أنه ربما كان كل ما رآه البطل، حلم أو وهم أو ربما أن ما حدث وقرآناه كان قبل مولده والقطار يرمز لمرحلة الحمل، ووجودنا داخل رحم الحياة الأم.

ذكرى أنجبت فتنة والحكاية فيها أسماء منتقاة بعناية، قطع ألماس صغيرة الحجم، غالية الثمن، عالية القيمة.

ولأن القطار يمضي ولا يتوقف، ولا يهدأ، فلابد له من حكايات طويلة، ومعمرة.

فحكاية قارئة القطار خرج من رحمها أكثر من حكاية، مترابطة ومنفصلة ويجمعها قدر ما لا يجمع بينها من الراوبط.

لا أستطيع إلا أن أعترف بانبهار ي بالفكرة، وطريقة سردها، وجرأة الكاتب فى تناولها، ويقينه فى استيعاب القارىء لكل هذه الرموز والحكايات والأسئلة.

كما قلت فى البداية، هناك روايات لا تتركك وشأنك، وتنبش كل خدوشك، وتداويها.

هكذا فعلت معي “قارئة القطار” لم تجيب أسئلتي التى طرحتها هي، لكني على عكس ما توقعت، سعيدة بعدم وجود إجابات لكل سؤال. وعشقت النهاية.

قد يعجبك ايضا
تعليقات