مقالات

الكيل بمكيالين وازدواجية المعايير

 

كتبت/ رانيا ضيف

حينما تتحكم ثقافة القطيع فلابد أن يسود الظلام، والاحتراب، وتنتشر الجريمة .
شهدت مصر هذه الأيام ثلاثة حوادث من أبشع الجرائم، والتى تعكس بصورة فجة كم الخواء الفكرى، والانحدار الأخلاقى، والتطرف الدينى، والوعى المجتمعى المتدني..
فأول حادث كان لشخص استدرج طفلة تبلغ من العمر ما بين خمس وست سنوات داخل عقار ليقتل براءتها متحرشا بها، فتصوره الكاميرات وتنقذها سيدة فاضلة شجاعة، لنجد آلاف المدافعين عنه والمطالبين بضرورة ستره بعد افتضاح أمره، معللين ذلك بأنه يصلى ويحج بيت الله !
فجاءت التعليقات هزلية عبثية صادمة !

والحادث الثاني كان لمجموعة من الأشخاص قاموا باقتحام منزل الدكتور سيد القمنى، وإتلاف وتدمير محتويات المنزل، وسرقة ما فيه، فلم يكن القمنى متواجدا حينئذٍ وإلا قاموا بالفتك به فللرجل آراء مختلفة حول الموروث والفقهاء لا تتوافق مع آراء التيارات الدينية والتابعين لها فى مجتمعنا، والذين بدورهم ينصبون العداء لكل مخالف لهم !

والحادث الأخير كان قتل سيدة على يد ثلاثة من جيرانها قاموا يإلقائها من شرفة منزلها لاستضافتها صديق لها فى منزلها !
حاملين على عاتقهم حماية الأخلاق والشرف !
وكأننا أصبحنا فى غابة لا قانون يحكمنا، وينظم علاقاتنا بالآخر، ويكفل لنا الحرية والخصوصية !ليتجرأ البعض على إطلاق الاتهامات، والأحكام على الآخرين، ثم تنفيذ العقوبة بأيديهم ضد خصومهم .
والمؤسف أن الروايات تنفى أسباب ذلك الاتهام كليا، كما أن السيدة وُجدت ملقاة بكامل ملابسها !

هذه دعوة لعلماء النفس والاجتماع لدراسة هذه الجرائم الثلاثة المنفرة؛ والتى تقشعر لها الأبدان للوصول لأسباب وعلاج تلك الممارسات الكارثية .
ولو أن الأمر يبدو واضحا وجليا حول أسباب تلك الآفات التى تنخر فى قلب وعقل مجتمعنا المتدين بالفطرة !

فالفِكر الذى تعاطف مع المتحرش بطفلة وبرر فعله المشين، بل وطالب بستره عوضا عن فضحه ومحاكمته، هو نفسه الذى حكم ونفذ عقوبة القتل ضد الطبيبة دون بينة ودليل على ادعاءاتهم، فدائما الأنثى فى مجتمعاتنا فى قفص الاتهام ومدانة .
دائما الأنثى رمز للغواية، وسوء الخلق بينما الرجل ضحية غوايتها !
تظل الأنثى محط مراقبة وشك، فكل رجل فى محيطها يمنح لنفسه حق الوصاية عليها حتى وإن كان لا تربطه بها صلة كجارها!
كما أن مجتمعنا لا يفقه الاختلاف، ولا يعترف بالرأى الآخر، فالأسهل معاداة المختلف بل وقتله إن لزم الأمر ..
متى نتعلم تقبل الاختلاف واحترامه دون وضع أصحابه فى قائمة المحظورين والمهددين بالقتل ؟!
متى سنحترم القانون ونعمل على تطبيقه بدلا من تفشى الهمجية بهذه الصورة القميئة والمؤذية ؟
متى ستقوم الدولة بإتاحة فرصة للمثقفين، والمستنيرين بطرح أفكارهم ورؤاهم لرفع الوعى الجمعى؛ فتتحرر العقول لمواجهة التيارات الدينية المتشددة التى استحالت بأفكارها حياتنا لجحيم ؟!

متى ستُعَامل المرأة كإنسان كامل الأهلية،
لها كافة الحقوق والحريات كالرجل، كما نصت عليه الآيات وعلى عكس تفاسير رجال الدين وفقهائه ؟!
آن الأوان أن تتضافر الجهود لوضع حلول شاملة وعاجلة لهذه الظواهر المستحدثة على مجتمعاتنا، ربما وضعنا بعدها أولى خطواتنا على طريق الإنسانية .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى