المزيدديني

نبذة عن اليتيم “الجزء الخامس “

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الخامس مع اليتيم، وقد نقل أئمة التفسير أن الأوصياء فى الجاهلية كانوا يأخذون الجيد من مال اليتيم والغالى منه ويبدلونه بالردئ ولذلك جاءت الآية الكريمة لتنهى التجاوزات غير المشروعة، ومنها التجاوز على أصل المال حيث كان الفرد إذا أمن العقوبة يضم مال اليتيم إلى ماله فيتصرف فى الجميع، فنهى الله سبحانه وتعالى عن ذلك ويظهر ذلك فى قوله “إنه كان حوبا كبيرا” كما قال تعالى أيضا فى سورة النساء “إن الذين يأكلون أموال اليتامى إنما يأكلون فى بطونهم نارا وسيصلون سعيرا” وهنا تصوير مرعب تطالعنا به الآية الكريمة وهو أن حد أكل مال اليتيم النار تستعر فى جوفه فيعلم أهل الموقف أن ذلك جزاء أكل مال اليتيم ومن وراء ذلك جهنم سيصلاها مخلدا، وقد أباح المشرع للولى ألا يأكل من مال اليتيم إلا بالحسنى، فقال تعالى “ولا تأكلوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن” وقال السدى رحمه الله “يحشر آكل مال اليتيم ظلما يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومسامعه وأنفه وعينه كل من رآه يعرفه أنه آكل مال اليتيم” وقال العلماء فى حقوق الأولياء والأوصياء من مال اليتيم، كل ولى لليتيم إذا كان فقيرا فأكل من ماله بالمعروف بقدر قيامه على مصالحه وتنمية ماله فلا بأس عليه ومازاد على المعروف فسحت وحرام لقوله تعالى ” ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف” وذكر ابن الجوزى فى تفسيره فى الأكل بالمعروف أربعة، أولهم أنه الأخذ على وجه قرض، والثانى هو الأكل بقدر الحاجة من غير إسراف، والثالث هو أنه أخذ بقدر إذا عمل لليتيم عملا.

والرابع أنه الأخذ عند الضرورة فإن أيسر قضاه وإن لم يوسر فهو فى حل، وقد خاطبت الآية الكريمة الولى الغنى وقالت “فليستعفف” وهو الاقتناع والإمساك عنه فهى تخاطب الأغنياء بترك أموال اليتامى وعدم أكلها لا قليلا ولا كثيرا، وأما عن التجارة بمال اليتيم، ويقصد بالتجارة بمال اليتيم كل تصرف يعود عليه بالنفع سواء كان تجارة أو زراعة ، أو تنمية مال اليتيم من قبل الموصى أو الولى حيث قال الله تعالى فى سورة الأنعام “ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن” فأمر الله الولى أن يقرب مال اليتيم على النمو للأحسن فقط أى ما فيه فائدة لليتيم لا تقتصر على حفظ ماله وإيداعه إلى أن يصل إلى حد البلوغ ليسلم إليه بل لابد من تنميته وتثميره رعاية لحق اليتامى وإشعاره بأن القدر لو اختطف منهم اليد الحانية فقد عوضهم الله تعالى بمن يعطف عليهم لينسيهم مرارة الوحدة وذل اليتم، وأما عن تسليم أموال اليتامى فقد حدد الشارع المقدس وقتا خاصا يكون بإمكان الولى التخلى عن المسئولية الملقاة على عاتقه بدفع أموال اليتامى إليهم حيث قال الله عز وجل كما جاء فى سورة النساء “وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن أنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف” و قال الله تعالى فى سورة الأنعام “ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل” وإن لتحقيق المرحلة النهائية لانتقال المال إلى اليتامى فإنه يجب أن يتوفر البلوغ والرشد فى اليتامى، والبلوغ هو بلوغ النكاح.

وهو كناية عن وصول الطفل إلى مرحلة النضوج، والرشد، وهو النضوج العقلى عند الإنسان وبحصول هذين الشرطين يكون اليتيم ناضجا وقادرا على إدارة شؤونه والتصرف فى أمواله بنفسه، فرفع الولاية عن الصبى اليتيم كان بلا أب لابد له من مقدرتين بدنية وعقلية، فلو اكتمل نضوج الصبى بدنيا ولم يكتمل النضج العقلي فلا فائدة، فلقد جاء الإسلام آمراً بالتكافل والرحمة والعطف والإحسان على أبنائه، مرتبا على ذلك الأجور العظيمة، والعطايا الجزيلة، ومن ذلكم هو كفالة اليتيم، وقد مدح النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، نساء قريش لرعايتهن اليتامى، فقال صلى الله عليه وسلم”خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أحناه على يتيم فى صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده” رواه مسلم، وإن أطيب المال ما أعطي منه اليتيم، فقال صلى الله عليه وسلم “إن هذا المال خضرة حلوة، فنعم صاحب المال المسلم ما أَعطي منه المسكين واليتيم وابن السبيل” رواه البخارى ومسلم، وقد بشر النبى صلى الله عليه وسلم كافله بمرافقته في الجنة، فقال “أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين” رواه البخارى ومسلم، وقد عدَّ الرسول الكريم رواه البخارى ومسلم، أكل مال اليتيم من السبع الموبقات، فقال “اجتنبوا السبع الموبقات” وذكر منهن “وأكل مال اليتيم” رواه البخارى ومسلم، وإذا كان التعرُض لمال اليتيم بسوء كبيرة من كبائر الذنوب، فالتعرض له بالأذى من ضرب وشتم ونحوه أشد حرمة، فيحرم إذلال اليتيم والتسلط عليه، والتعرض له بشيء يسوءه بغير حق فقال تعالى فى سورة الضحى ” فأما اليتيم فلا تقهر”

وكذلك النهى عن قهره أمر بالإحسان إليه، وإدخال السرور عليه، وإذا فقد اليتيم أباه تضاعف واجب الأم نحوه، ولقد ضربت أمهات المثل الأعلى في التربية، والقيام بحقوق الأيتام على أكمل وجه، فأم موسى رعت ابنها موسى عليه السلام واصطفاه الله نبيا فقال الله تعالى كما جاء فى سورة القصص” هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له تاصحون، فرددناه إلى أنه” وكذلك السيدة مريم عليها السلام فقد أحسنت تربيتها لابنها عيسى عليه السلام، واختاره الله رسولا، وهذه أم الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، حضنته أمه وأدبته، وأحسنت تربيته، حتى قال رحمه الله “كانت أمي توقظني قبل الفجر بوقت طويل وعمري عشر سنوات، وتدفئ لي الماء في الشتاء، ثم نصلي أنا وإياها ما شئنا من صلاة التهجد، ثم تنطلق بي إلى المسجد في طريق بعيد مظلم موحش لتصلي معي صلاة الفجر في المسجد، وتبقى معي حتى منتصف النهار تنتظر فراغي من طلب العلم وحفظ القرآن” فيجب عليك أيتها الأم أو الوصي والولي على هؤلاء الأيتام، الإحسان إليهم في التربية والرحمة، والعطف، والتوجيه الحسن، والتعليم النافع، والأمر بالصلاة، فهي عماد الدين، ومجالسة العلماء، ولزوم الصحبة الصالحة، والتحذير من الفتن، فلا يخلو مجتمع من أطفال يتامى فارق الموت عنهم آباءهم قبل وصولهم سن التكليف، ومعلوم حاجة اليتيم إلى العطف والحنان والعناية والرعاية والإحسان، ذلكم ما أولاه الإسلام العناية البالغة، وأكده في نصوص قرآنية وحديثية كثيرة، وقد نشأ نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم يتيما.

فبشرى لليتامى، فخير البشر رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، فقد كان يتيما، وقال الله تعالى كما جاء فى سورة الضحى ” ألم يجدك يتيما فآوى ” وهكذا فإن كفالة اليتيم مساهمة في بناء مجتمع خالى من الحقد والكراهية، مجتمع تسوده الرحمة والمحبة، واليتيم إذا لم يجد من يعوضه حنان أبيه، ربما نفر طبعه، وشرد فكره، فلا يحس برابطة ولا يجيش صدره بمودة، وقد يكون أداة فساد في المجتمع، وإن الإحسان إلى اليتيم سبب لجلب الخيرات والبركات ودفع البلايا والمضرات، وإن الحنو على اليتامى سبب لرقة القلب وذهاب قسوته، فقد شكا رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قسوة قلبه فأوصاه أن يمسح رأس اليتيم، وإن إكرام اليتيم سبيل إلى الفوز بالجنة والنجاة من النار, فقد قال الله تعالى في وصف المؤمنين المتقين فى كتابه الكريم كما جاء فى سورة الإنسان ” ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا، إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا، إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا، فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا، وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا” وإن مثل الأيتام في المعاناة والأسى، هو الأطفال المجهولة أنسابهم، والأطفال الذين فقدوا رعاية والديهم بغير يتم، أو غاب عنهم آباؤهم غيبة طويلة، أفقدتهم الشعور بعاطفة الأبوة، وتركتهم يجابهون بأنفسهم مصاعب الحياة، فلهم جميعا على المجتمع حق الرعاية والإحسان والإكرام، فالأم هي الكفيلة الأولى لأبنائها، تحفهم بعطفها وحنانها، وتقاسمهم الحزن على فراق زوجها، وتحمل هم رعايتهم وتنشئتهم.

كما لو كان أبوهم حاضرا موجودا، إنها الجديرة بما أعد الله تعالى للكافلين للأيتام من رفيع المنزلة وعظيم الجزاء، متى استشعرت مسؤوليتها وقامت بواجبها حسب طاقتها ووسعها، وكم أثبتت أمهات فى تربية أولادهن ما عجز عنه كثير من الرجال، فإنه واجب على المجتمع أن يكون لها سندا وعونا، وإنه واجب على المجتمع أن يحفظ كرامتها، ويعينها على أداء رسالتها، وألا يسمح لأحد أن يستغل ضعفها وضعف صغيرها وحاجتها وقلة حيلتها، من أجل ذلك أوصى النبي صلى الله عليه وسلم، بالمرأة واليتيم وحذر من الإساءة إليهما حيث قال صلى الله عليه وسلم “اللهم إني أحرّج حق الضعيفين، اليتيم والمرأة” رواه أحمد وابن ماجه، أى أضيق على الناس في تضييع حقهما، وأشدد عليهم في ذلك، وقال صلى الله عليه وسلم أيضا “الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو كالذي يصوم النهار ويقوم الليل” ألا فليتذكر الإنسان أن ما نزل بغيره فترك أولاده أيتاما، قد ينزل به هو الآخر فيترك أولاده أيتاما، فالعاقل من يحرص أن يكون لليتيم كما يحب أن يكون الناس لأبنائه في حياته وبعد مماته، ويا أيها الأب الكريم كن صالحا فصلاحك خير تقدمه لنفسك ولذريتك من بعدك، واعلم أن الله تعالى قال كما جاء فى سورة الكهف” وأما الجدار فكان لغلامين فى المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا” فقال ابن كثير “فيه دليل على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته، وتشملهم بركة عبادته في الدنيا والآخرة” وإن من مقادير الله أن يقدر على بعض الرجال الوفاة، فيترك خلفه أولادا صغارا فيتيمون بفقد أبيهم.

فهم فى حال ضعف وحاجة، فلذا اعتنى بهم الشارع وشرع من الأحكام ما يضمن لهم حياة كريمة آمنة، حتى يعيشوا كغيرهم، وإذا وجهنا كلمه لليتيم، فنقول له ابننا اليتيم إن كنت فقدت أباك فمن حولك من الآباء هم بمثابة آباء لك، فالجأ لهم بعد الله فيما يشكل عليك، ويكدر صفو حياتك، واعلم أن اليتم ليس معوقا، وليس سببا في الفشل، فسيد الخلق محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم نشأ يتيما فقد أبويه، نشأ من غير أب ولا أم، فتولاه الله وحفظه، فاحفظ الله يحفظك وييسر لك الخير، فإنه بينما كانت البسمة تعلو وجهه, والأنس يملأ قبله, إذا بذلك كله قد رحل, بينما كان يجد السند الذي يعضده, والقلب الذي يحتويه, والنفس التي تحبه, والدعوات التي تلهج له, إذا به فقد ذلك كله, أتدرون من هذا, إنه من ذاق مرارة الفقد, ففقد أباه, إنه من فقده أو هما معا, وهو دون بلوغه، إنه اليتيم, الذى كتب الله تعالى وحكمته بالغه، أن يموت والده, فيفقد بفقده من ينفق عليه, ومن يحنو عليه، وإن اليتيم بشر بالأمس كان مثلك ومثل أبنائك, واليوم هو بدون أب, وقبل ذلك كله، فليس يخفى بأن الله حكيم, وله في كل شيء حكمة بالغة, والأعمار بيده, وهو رحيم, أرحم من الأم بولدها, فيتم إنسان لا ينبغى أن ينظر له بدون استشعار الحكمة البالغة, والرحمة الواسعة من رب البرية، وحين يحل اليتم بإنسان, فإنما ذلك له رفعة وأجر, إنه وإن اشتدت عليه الحياة, وصعب عليه فراق الأحباب, وود لو متع بوالد ووالده, إلا أن الله أراد به خيرا, فهو أجر مدخر, وثواب جزيل, وإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى