القاهرية
العالم بين يديك
Index Banner – 300×600

العَــــبَــادِلَة الثَّــــــــلاثة

109

بقلم د/محمد بركات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

يٌحكى أنَّ رجلا كان له ثلاثة أولاد كِبار أسماهم كلٌّهم عبد الله ، و لمَّا مرض مرض الموت جمعهم عنده و قال لهم ” عبد الله يرث و عبد الله لا يرث و عبد الله يرث ” ثمَّ مات في ساعته . و بعدما أن دفنوه و أوصَلٌوه إلى مثواه الأخير قصدوا قاضي المدينة لكي يٌبيِّن لهم من مِنهم عبد الله الذي لا يرث و ما هو السَّبب في ذلك ؟

تعجَّب القاضي من قصَّة الثلاثة وقال لهم ” تَـبِـيتون اللَّيلة عندي و غدََا تسمعون منِّي الحكم ” ، قبِل الإخوة العرض و دخلوا الغرفة التي أٌعدَّت للضُّيوف في بيته و لمَّا أٌحضر لهم الطَّعام الذي كان لحمََا مشويََّا مع أرغفة من الخبز .

قال أحدهم ” اِحـذَروا يا إِخوتي هُناك عينُُ تتجسَّس علينا وهذا القاضي الذي سيحكم لنا إِبن حرام ” ثمَّ قال أخرُُ بعد أن أخذَ قطعةََ من اللَّحم ” لا تأكٌلوا من هذا فإِنَّه لحم كلب ” و لأنَّهم إخوة أذكياء شديدي الملاحظة قال ثالثهم ” إنَّ هذا الخبز قد أعدَّته إمرأةُُ حامِل و في شهرِها التَّاسع ” .

و بالفعل كانت هناك عينٌٌ تٌراقبهم و قد أبلغت القاضي ما دار بين الإخوة الثَّلاثة ، فقال للَّذي زعم أنَّ اللَّحم الذي قٌـدِّم لهم هو لحم كلب ” كيف تيقّنت من ذلك ؟

” فقال له ” إنَّ اللَّحم الذي ألِفنا تناوُله يبدأ بعظمِِ ثمَّ لحمِِ ثمَّ شحم لكنَّ ما تمَّ تقديمه لنا يبتدِأ بعظمِِ ثمَّ شحمِِ ثمَّ لحم و هذا النَّوع لا يكون إلَّا في السِّباع و الكلاب التي يكون اللَّحم فيها فوق الشَّحم و العظم لكي تستطيع الرَّكض خلف فرائسِها ” .

نادى الفاضي على طبَّاخ البيت و لمَّا سأله عن الأمر قال له ” لمَّا أخبرتني بأنَّ هناك ضيٌوفََا لك كان قطيع الأغنام قد تأخَّر بـالبرّ و علِمت أنَّهم من الأعراب فقٌمت بِذبح الكـلب لهم ظنََّا مِنِّي أنَّهم لن يتفـطَّنوا للأمر “.بعدها توجَّه بالكلام للّذي إستنتج أنَّ رغيف الخبز قد أعدّته إمرأة حامل فقال له “إنِّي رأيت أيُّها القاضي أنَّ الأرغفة كانت مٌنتفِخة من جهة و من جهةِِ أخرى ملتصِقة و المرأة الحامل و في شهرها التَّاسع تكون بطنها جِدٌّ منتفخة فلا تستطيع أن تٌدير رغيفها فالجزء الذي يكون أمام النَّار فإنَّه يستوي و ينتفخ أمَّا الجزء الآخر فـيبقى مٌلتصِقََا “.لمَّا استفسر القاضي علِم حقََّا أنَّ الَّتي أعدَّت ذلك الخبز هي إمرأة حامل في شهرها التَّاسع .

و أمَّا من عرف أنَّ هناك عين تٌـراقبهم و وصف القاضي بأنَّه إبن حرام فقد قال أنَّ من يجعل على ضيوفه عينََا تٌراقبهم لا يٌمكنه أن يكون عربيََّا و هذا ليس أبدََا من شِيَم المسلمين . هنا دخل القاضي إلى أمِّه و ألحَّ عليها فأخبرته بأنَّ أباه فعلا ليس من العرب و أنَّه مثلما وصفه عبد الله .

بعد كلِّ الذي جرى من أحداث تمالك القاضي نفسه و جلس أمام العَبادِلة الثَّلاثة و قال لهم ” أمَّا من قال أنَّ اللَّحم إنّما هو لحم كلب فإنَّه عبد الله الذي يرث ، و الذي قال أنَّ الخبز أعدَّته إمرأة حامل بالتَّاسع فإنَّه أيضََا عبد الله الذي يرث ، أمّا عبد الله الذي قال عنِّي أنِّي إبن حرام فإنَّه لا يرث لأنَّ إبن الحرام لا يمكن أن يعرفه إلَّا إبن الحرام مثله و ابن الحرام لا يرث ” عاد الإخوة إلى بيتهم و عندما سألوا أمَّهم أخبرتهم أنَّ أباهم يومََا وجد طفلا صغيرا أمام باب المسجد فأتى به إلى البيت و ضمَّه إلى أولاده و هو نفسه عبد الله الذي لا يرث .

قد يعجبك ايضا
تعليقات