القاهرية
العالم بين يديك
Index Banner – 300×600

ليلة ظلماء

104

بقلم _ رانيا ضيف

جلست متشحة بالسواد فى ليلة ظلماء غاب فيها القمر، واعتذرت النجوم عن الحضور فهى فى حداد، توارت عن آثام البشر .
تبدو سيدة جميلة فى منتصف العمر وحيدة وشريدة، لا تبالى إن طالها مكروه فالحزن بداخلها قضى على كل نبتة حياة، والدم هارب من العروق، والشحوب يتناثر فى وجهها، تكاد تكون حية أو فيها بقايا روح..
جلست تجتر ذكرياتها لعل الحزن يتراكم و يُكمل الجميل، فيطفىء الضوء الخافت المتبقى من روحها، فترحل بسلام تاركة لهم الأرض، والعرض، والشرف..
وكل أفكارهم البالية التى قضت على الحياة داخلها .
جلست تسترجع حياتها وكم الأغلال التى قيدتها
ونزعت عنها أنوثتها، فألبستها لجام وسرج؛
ليتسنى لهم قيادتها وتوجيهها بسهولة
دون عناء ..
اغرورقت عيناها بدموع حاربت لساعات كى تصعد للمُقل، فقنوات الدموع شاخت وذبلت منذ زمن ..
حينما ماتت براءتها،وانتُزِع كبرياؤها، ودُهس قلبها تحت أقدامهم بلا هوادة بزواج إجباري، فهناك شرف لابد أن يُصان،
فبناتنا محرم عليهن الحب، فكيف تسلل العشق لقلبها وخان؟!
لتتزوج بمن ارتضاه أبوها وأخوها.
ولتنس الحب وما كان فهو ليس سوى أوهام.

لا تنسى انكسارها، وبكاء قلبها، والجميع يحتفل ويغنى، والزغاريد تصدح فى الجدران ..
ماتت الفرحة وهى تنظر لأخيها الذى فاز بمن أحب ونظرات الهوى لعروسه تفضح غناء روحه،
فتنظر مرة أخرى لأبيها الذى ارتضى لها ما لم يرتضيه لوريثه !
مر شريط ذكرياتها المرير أمام ناظريها ليثبت على صورتها وهى فى مشادة كلامية مع زوجها، الذى ما كان منه إلا أن رفع يده وصفعها حتى نزفت شفتاها دماء قلبها المنفطر .
وما سمعته بعدها كان أسوأ من ضرب السياط
حينما علل زوجها يستسمحها قائلا :أنا لم أفعل شيئا محرما فالشيخ قال اليوم فى خطبة الجمعة واضربوهن !
مر شريط الذكريات أمامها لأكثر المشاهد وجعا حينما علمت بخيانة زوجها، وحينما شكته لأهله قالوا لها: لو كنتِ ملأتِ عينه ما خانك وفضل عليكِ أخرى فلتعودى لبيتك، واستقطبى زوجك واستميلى قلبه نحوك ينسى غيرك.
مؤكد أنت المُلامة !
تلقت صفعتين من نفس البيت زوجها الخائن ونصيحتهم المهينة .
أسرعت شريط ذكرياتها لتجد نفسها أمام والدها الذى يحتضر والذى كان يستسمحها على فراش الموت متوسلا أن تسامحه، فهو من نزع من قلبها السعادة، وتلقى عقابه، فلم يحظى بعدها بنظرة عين راضية، ولا لمسة حانية، ولا لهفتها وشوقها .
لقد نزع من قلبها حبه مع انتزاع سعادتها ..
تنهدت تنهيدة أحرقت جوفها من الألم، ثم نفضت كل الذكريات التعسة من أمام عينيها فما عادت تريد استرجاع المزيد، ورفعت عينيها للسماء المظلمة إلا من بعض نجمات يبدو أنهن تركن الحداد
وقالت: أعلم أنك تسمعنى، وأنك ما خذلتنى، ولكن خذلت نفسى حينما سلمتهم حياتى ولم أقاوم .
ولكننى الآن جاهزة لأن أقاتل، فلتبق بجانبى، وأثناء مناجاتها بدأت تدب الحياة فى روحها
ويزول شحوب وجهها رويدا رويدا وبدأت تتنفس، فظهر القمر ..

قد يعجبك ايضا
تعليقات